قال في "التأويلات النجمية" : لما سلك النبي صلى الله عليه وسلم طريق متابعته واسلم وجههليذهب إلى الله كما ذهب إبراهيم وقال : إني ذاهب إلى ربي نودي في سره إن إبراهيم كان خليلنا وأنت حبيبنا فالفرق بينكما أن الخليل لو كان ذاهبا يمشي بنفسه فالحبيب يكون راكبا أسري به فلما بلغ سدرة المنتهى وجد مقام الخليل عندها فقيل له إن السدرة مقام الخليل لو رضيت بها لنزينها لك إذ يغشى السدرة ما يغشى ولعلو همته الحبيبية ما زاغ البصر بالنظر إليها وما طغى باتخاذ المنزل عندها ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى وهو مقام الحبيب فبقي مع بلا هو في خلوة لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب وهو جبريل ولا نبي مرسل وهو هويته عليه السلام لما جاوز حد المتابعة صار متبوعا فإن كان صلى الله عليه وسلم في الدنيا محتاجا إلى متابعة الخليل فالخليل يكون في الآخرة محتاجا إلى شفاعته كما قال : "الناس محتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم" انتهى ما في "التأويلات".
ثم الآية تدل على شرف المتابعة فإن الحبيب مع شرفه العظيم إذا كان مأمورا بالمتابعة فما ظنك بغيره من أفراد الأمة ففي المتابعة وصحبة الأخيار والصلحاء شرف وسعادة عظمى ألا يرى أن عشرة من الحيوانات من أهل الجنة بشرف القرين كناقة صالح وكبش إسماعيل ونملة سليمان وكلب أصحاب الكهف ولله در من قال :
جزء : 5 رقم الصفحة : 92
سك أصحاب كهف روزى ند
ى مردم كرفت ومردم شد
وعن النبي عليه السلام "أن رجلا يبقى متحيرا من الإفلاس فيقول الله : يا عبدي أتعرف العبد الفلاني أو العارف الفلاني فيقول : نعم فيقول الله : فاذهب فإني قد وهبتك له".
وعن الشيخ بهاء الدين أن خادم الشيخ أبي يزيد البسطامي قدس سره كان رجلا مغربيا فجرى الحديث عنده في سؤال منكر ونكير فقال المغربي : والله إن يسألاني لأقولن لهما فقالوا له : ومن يعلم ذلك؟ فقال : اقعدوا على قبري حتى تسمعوني فلما انتقل المغربي جلسوا على قبره فسمعوا المسألة وسمعوه يقول : أتسألونني وقد حملت فروة أبي يزيد على عنقي فمضوا وتركوه.
جزء : 5 رقم الصفحة : 92
﴿إنما جعل السبت﴾ أي : فرض تعظيم يوم السبت والتخلي فيه للعبادة وترك الصد فيه فتعدية جعل بعلى لتضمينه معنى فرض والسبت يوم من أيام الأسبوع بمعنى القطع والراحة فسمي به لانقطاع الأيام عنده إذ هو آخر أيام الأسبوع وفيه فرغ الله من خلق السموات والأرض أو لأن اليهود يستريحون فيه من الأشغال الدنيوية ويقال اسبتت اليهود إذا عظمت سبتها وكان اليهود يدعون أن السبت من شعائر الإسلام وأن إبراهيم كان محافظا عليه أي : ليس السبت من شعائر إبراهيم وشعائر ملته التي أمرت يا محمد باتباعها حتى يكون بينه صلى الله عليه وسلم وبين بعض المشركين علاقة في الجملة وإنما شرع ذلك لبني إسرائيل بعد مدة طويلة.
قال الكاشفي : (در زاد المسير آورده كه آن روز حضرت موسى عليه السلام يكى را ديدكه متاعى را برداشته بجايى ميبرد بفرمود تا كردنش بزدند وتنش را در محلى
95
بيفكند ندكه مرغان مردار خوار هل روز اجزا واحشاى اومى خوردند) وذلك الهتك حرمة شريعته بمثل ذلك العمل :
كرا شرع فتوى دهد برهلاك
الا تاندارى ز كشتنش باك
﴿على الذين اختلفوا فيه﴾ منشأ الاختلاف هو الطرف المخالف للحق وذلك أن موسى عليه السلام أمر اليهود أن يجعلوا في الأسبوع يوما واحدا للعبادة وأن يكون ذلك يوم الجمعة فأبوا عليه وقالوا : نريد اليوم الذي فرغ الله فيه من خلق السموات والأرض وهو السبت إلا شرذمة منهم قد رضوا بالجمعة فأذن الله لهم في السبت وابتلاهم بتحريم الصيد فيه فأطاع أمر الله تعالى الراضون بالجمعة فكانوا لا يصيدون وأما غيرهم فلم يصبروا عن الصيد فمسخهم الله قردة دون أولئك المطيعين.
يقول الفقير : أما الفرقة الموافقة فنجوا لانقيادهم لأمر الله تعالى وفناء باطنهم عن الإرادة التي لم تنبعث من الله تعالى وأما الفرقة المخالفة فهلكوا لمخالفتهم لأمر الله تعالى وبقائهم بنفوسهم الأمارة ولا شك أن من أجبر وفق ومن تحرك بإرادته وكل إلى نفسه ﴿وإن ربك ليحكم بينهم﴾ أي : بين الفريقين المختلفين فيه ﴿يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾ أي : يفصل ما بينهما من الاختلاف فيجازي الموافق بالثواب والمخالف بالعقاب وفيه إيماء إلى أن ما وقع في الدنيا من مسخ أحد الفريقين وإنجاء الآخر بالنسبة إلى ما سيقع في الآخرة شيء لا يعتد به وفي الحديث : "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة أوتينا من بعدهم" يعني : يوم الجمعة فهذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له فلنا اليوم ولليهود غدا وللنصارى بعد غد.
جزء : 5 رقم الصفحة : 95