تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿وعلى الذين هادوا﴾ يعني : على اليهود خاصة دون غيرهم من الأولين والآخرين ﴿حرمنا ما قصصنا عليك﴾ أي : بقوله : ﴿حرمنا كل ذى ظفرا ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهمآ﴾ (الأنعام : 146) الآية ﴿من قبل﴾ أي : من قبل نزول الآية فهو متعلق بقصصنا أو من قبل التحريم على هذه الأمة فهو متعلق بحرمنا وهو تحقيق لما سلف من حصر المحرمات فيما فصل بإبطال ما يخالفه من فرية اليهود وتكذيبهم في ذلك فإنهم كانوا يقولون لسنا أول من حرمت عليه وإنما كانت محرمة على نوح وإبراهيم ومن بعدهما حتى انتهى الأمر إلينا ﴿وما ظلمناهم﴾ بذلك التحريم ﴿ولاكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ حيث فعلوا ما عوقبوا به عليه حسبما نعى عليهم في قوله تعالى : ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم﴾ (النساء : 160) الآية ولقد القمهم الحجر قوله تعالى :

92

﴿كل الطعام كان حلا لبنى إسرائيل إلا ما حرم إسراءيل على نفسه من قبل أن تنزل التورااةا قل فأتوا بالتورااة فاتلوهآ إن كنتم صادقين﴾ (آل عمران : 93).

جزء : 5 رقم الصفحة : 92

روي أنه صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك بهتوا ولم يجرأوا أن يخرجوا التوراة كيف وقد بين فيها أن تحريم ما حرم عليهم من الطيبات لظلمهم وبغيهم عقوبة وتشديدا أوضح بيان.

وفيه تنبيه على الفرق بينهم وبين غيرهم من التحريم ﴿ثم إن ربك للذين عملوا السواء بجهالة﴾ (بسبب غفلت وناداني وعدم تفكر در عواقب أمور).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما كل من يعمل سوأ فهو جاهل وإن كان يعلم أن ركوبه سيئة.

والسوء يحتمل الافتراء على الله وغيره.

واللام متعلقة بالخبر وهو لغفور وإن الثانية تكرير على سبيل التأكيد لطول الكلام ووقوع الفصل كما مر في قوله تعالى : ﴿ثم إن ربك للذين هاجروا﴾ (النحل : 110) الآية ﴿ثم تابوا منا بعد ذالك﴾ أي : من بعدما عملوا السوء والتصريح به مع دلالة ثم عليه للتأكيد والمبالغة ﴿وأصلحوا﴾ أعمالهم أو دخلوا في الصلاح ﴿إن ربك منا بعدها﴾ من بعد التوبة كقوله : ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ (المائدة : 8) في أن الضمير عائد إلى مصدر الفعل.

قال سعدي المفتي لم يذكر الإصلاح لأنه تكميل التوبة فإنها الندم على المعصية من حيث أنها معصية مع عزم أن لا يعود فعدم العود والإصلاح تحقيق لذلك العزم ﴿لغفور﴾ لذلك السوء أي : ستور له محاء ﴿رحيم﴾ يثبت على طاعته تركا وفعلا وتكرير قوله تعالى إن ربك لتأكيد الوعد وإظهار كمال العناية بإنجازه.

فعلى العاقل أن يرجع عن الإعراض عن الله ويقبل عليه بصدق الطلب وإخلاص العمل والتوبة بمنزلة الصابون فكما أن الصابون يزيل الأوساخ الظاهرة فكذلك التوبة تزيل الأوساخ الباطنة يعني الذنوب وفي "المثنوي" :

كرسيه كردى تونامه عمر خويش

توبه كن زانها كه كردستى تويش

عمر اكر بكذشت بيخش اين دم است

آب توبه اش ده اكر اوبى من است

بيخ عمرت را بده آب حيات

تا درخت عمر كردد باثبات

جمله ماضيها ازين نيكو شوند

زهر ارينه ازاين كردد وقند

واعلم أن توبة العوام من السيآت وتوبة الخواص من الزلات والغفلات وتوبة الأكابر من رؤية الحسنات والالتفات إلى الطاعات لا تركها والعبد إذا رجع عن السيئة وأصلح عمله أصلح الله شأنه وأفضل الأعمال خلاف هوى النفس والذكر بلا إله إلا الله وفي الحديث "إنعمودا من ياقوت أحمر رأسه تحت العرش وأسفله على ظهر الحوت في الأرض السفلى فإذا قال العبد لا إله إلا الله محمد رسول الله عن نية صادقة اهتز العرش فتحرك الحوت والعمود فيقول الله تعالى : اسكن يا عرشي فيقول العرش : كيف أسكن وأنت لا تغفر لقائلها فيقول الله تعالى : اشهدوا يا سكان سمواتي أني قد غفرت لقائلها الذنوب صغيرها وكبيرها سرها وعلانيتها ، فبذكر الله تعالى يتخلص العبد من الذنوب وبه تحصل تزكية النفس وتصفية القلوب".

جزء : 5 رقم الصفحة : 92

﴿إن إبراهيم كان أمة﴾ على حدة لحيازته من الفضائل البشرية ما لا يكاد يوجد إلا متفرقا في أمة جمة كما قيل :

ليس على الله بمستنكر

أن يجمع العالم في واحد

جانا تويكانه ولى ذات توهست

مجموعه آثار كمالات همه

93

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٥ · الصفحة ٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٥ · ص ٧١