تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جزء : 5 رقم الصفحة : 89

قال في "التأويلات النجمية" : ﴿فمن اضطر﴾ إلى نوع منها مثل طلب القوت بالكسب الحلال والتأهل للتوالد والتناسل والاختلاط مع الخلق للمناصحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من أبواب البر غير معرض عن طلب الحق ولا مجاوز عن حد الطريقة ﴿فإن الله غفور﴾ لما اضطروا إليه ﴿رحيم﴾ على الطالبين بأن يبلغهم مقاصهم.

واعلم أن مواضع الضرورة مستثناة ولذا قال في "التهذيب" يجوز للعليل شرب البول والدم للتداوي إذا أخبره طبيب مسلم أن شفاءه فيه ولم يجد من المباح ما يقوم مقامه.

وأجاز بعضهم استشارة أهل الكفر في الطب إذا كانوا من أهله كما في "إنسان العيون" والأولى التجنب عنه لأن المؤمن ولي الله والكافر عدو الله ولا خير لولي من عدو الله فلا بد للمريض من المراجعة إلى المجانس وأهل الوقوف والتجربة ، قال الصائب :

زبى دردان علاج دردخود جستن بآن ماند

كه خار از ابرون آردكسى بانيش عقربها

وفي "الأشباه" : يرخص للمريض التداوي بالنجاسات وبالخمر على أحد القولين واختار قاضيخان عدمه وإساغة اللقمة بها إذا غص اتفاقا وإباحة النظر للطبيب حتى للعورة والسوءتين انتهى.

قال الفقيه أبو الليث رحمه الله يستحب للرجل أن يعرف من الطب مقدار ما يمتنع به عما يضر ببدنه انتهى.

وروي عن علي كرم الله وجهه أنه قال لحم البقر داء ولبنها شفاء وسمنها

91

دواء وقد صح عن النبي عليه السلام أنه ضحى عن نسائه بالبقر.

قال الحليمي هذا ليبس الحجاز ويبوسة لحم البقر ورطوبة لبنها وسمنها فكأنه يرى اختصاص ذلك به وهذا التأويل مستحسن وإلا فالنبي عليه السلام لا يتقرب إلى الله تعالى بالداء فهو إنما قال ذلك في البقر كما قال : "عليكم بألبان البقر وسمنانها وإياكم ولحومها فإن ألبانها وسمنانها دواء وشفاء ولحومها داء" لتلك اليبوسة.

وجواب آخر أنه ضحى بالبقر لبيان الجواز ولعدم تيسر غيره كذا في "المقاصد الحسنة" للإمام السخاوي.

﴿ولا تقولوا﴾ يا أهل مكة ﴿لما تصف ألسنتكم﴾ ما موصولة واللام صلة لا تقولوا مثل ما في قوله تعالى : ﴿ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله أموات﴾ (البقرة : 154) أي : لا تقولوا في شأن ما تصف ألسنتكم من البهائم بالحل والحرمة في قولكم ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا من غير ترتيب ذلك الوصف على ملاحظة وفكر فضلا عن استناده إلى وحي أو قياس مبني عليه ﴿الكذب﴾ ينتصب بلا تقولوا "هذا حلال وهذا حرام" بدل منه ، فالمعنى لا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لما تصفه ألسنتكم بالحل والحرمة فقدم عليه كونه كذبا وأبذل منه هذا حلال وهذا حرام مبالغة واللام صلة مثل ما يقال لا تقل للنبيذ أنه حرام أي : في شأنه وذلك لاختصاص القول بأنه في شأنه.

وفيه إيماء إلى أن ذلك مجرد وصف باللسان لا حكم عليه عقد كذا في "حواشي" سعدي المفتي.

ويقال في الآية تنبيه للقضاة والمفتين كيلا يقولوا قولا بغير حجة وبيان كما في "تفسير أبي الليث".

﴿لتفتروا على الله الكذب﴾ فإن مدار الحل والحرمة ليس إلا أمر الله فالحكم بالحل والحرمة إسناد للتحليل والتحريم إلى الله من غير أن يكون ذلك منه.

واللام لام العاقبة لا الغرض لأن الافتراء لم يكن غرضا لهم.

جزء : 5 رقم الصفحة : 89

وفي الآية إشارة إلى ما تقولت النفوس بالحسبان والغرور أنا قد بلغنا إلى مقام يكون علينا بعض المحرمات الشرعية حلالا وبعض المحللات حراما فيفترون على الله الكذب أنه أعطانا هذا المقام كما هو من عادة أهل الإباحة كذا في "التأويلات النجمية" ﴿إن الذين يفترون على الله الكذب﴾ في أمر من الأمور ﴿لا يفلحون﴾ لا يفوزون بمطالبهم التي ارتكبوا الافتراء للفوز بها.

﴿متاع قليل﴾ خبر مبتدأ محذوف أي : منفعتهم فيما هم عليه من أفعال الجاهلية منفعة قليلة تنقطع عن قريب ﴿ولهم﴾ في الآخرة ﴿عذاب أليم﴾ لا يكتنه كنهم.

جزء : 5 رقم الصفحة : 89

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٥ · الصفحة ٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٥ · ص ٧٠