وفي الآية إشارة إلى أن النفس الأمارة بالسوء إذا كفرت في قرية شخص الإنسان بنعم الطاعات والتوفيق واتبعت هواها وتمتعت بشهواتها ابتليت بانقطاع ميرة الحق وأكل جيفة الدنيا وميتة المستلذات وخوف العذاب بسوء صنيعها فلا بد للسالك أن يقتفي أثر رسول الخاطر الروحاني المؤيد بالإلهام الرباني ويترك الاقتداء بالنفس والشيطان فإنهما يجران إلى الأخلاق الذميمة المستتبعة للآثار القبيحة وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم لإتمام الأخلاق الحميدة على وفق الشريعة كما قال : "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" والمكارم : جمع مكرمة كالمصالح جمع مصلحة وإضافته إلى الأخلاق من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف أي : بعثت لأتمم الأخلاق الكريمة والشيم الحسنة وذلك أن الأنبياء عليهم السلام كل واحد منهم مبعوث بسر وحكمة إلهية راجعة إلى تكميل البشر وتحسين أخلاقهم ونبينا عليه السلام مبعوث لتتميم تلك الأخلاق الكريمة وتكميلها على وجه التفصيل ولهذا جاء بشرع جامع لجميع جهات الحسن وهذا سر قوله : "لا نبي بعدي" فمن ادعى نبيا بعده جهل بقدره وقدر علماء أمته كما لا يخفى.
﴿فكلوا مما رزقكم الله﴾ أي : وإذ قد استبان لكم يا أهل مكة حال من كفر بأنعم الله وكذب رسوله وما حل بهم بسبب ذلك من اللتيا والتي أولا وآخرا فانتهوا عما أنتم عليه من كفران النعم وتكذيب الرسول كيلا يحل بكم مثل ما أحل بهم واعرفوا حق نعم الله وأطيعوا رسوله في أمره ونهيه وكلوا من رزق الله من الحرث والأنعام وغيرهما حال كونه ﴿حلالا طيبا﴾ أي : لذيذا تستطيبه النفوس وذروا ما تفترون من تحريم البحائر ونحوها فحلالا حال من ما رزقكم الله ويجوز أن يكون مفعول كلوا.
وفيه إشارة إلى أن أنوار الشريعة وأسرار الحقيقة رزق معنوي للعاشق الصادق وما قبلته الشريعة والحقيقة فهو حلال طيب وما ردته فهو حرام خبيث ولذا قيل :
علم دين فقهست وتفسير وحديث
هركه خواند غيرازين كردد خبيث
أي : العلم المقبول النافع هذه العلوم وما شهدت هي له بالقبول من الظواهر والبواطن ﴿فكلوا مما رزقكم﴾ واعرفوا حقها ولا تقابلوها بالكفران والفاء في المعنى داخلة على الأمر بالشكر وإنما دخلت على الأمر بالأكل لكون الأكل ذريعة إلى الشكر فكأنه قيل فاشكروا نعمة الله غب أكلها حلالا طيبا ﴿إن كنتم إياه تعبدون﴾ أي : تطيعون وتريدون رضاه أن تستحلوا ما أحل الله وتحرموا ما حرم الله.
جزء : 5 رقم الصفحة : 89
﴿إنما حرم عليكم الميتة﴾ أي : أكلها وهي ما لم تلحقه الذكاة.
وبالفارسية (مردار) فاللحم القديد المجلوب إلى الروم من أفلاق حرام لأنهم إنما يضربون رأس البقر بالمقمعة ولا يذكون ﴿والدم﴾ المسفوح أي : المصبوب من العروق وأما المختلط باللحم فمعفو والأولى غسله ﴿ولحم الخنزير ومآ أهل لغير الله به﴾ أي : رفع الصوت للصنم به وذلك قول أهل الجاهلية باللات والعزى أي : إنما حرم هذه الأشياء دون ما تزعمون حرمته من البحائر والسوائب ونحوهما وتنحصر المحرمات فيها إلا ما ضمه إليها دليل كالسباع والحمر الأهلية.
روي أنه عليه السلام "نهى عن أكل ذي مخلب من
90
الطيور وكل ذي ناب من السباع".
وروى خالد بن الوليد رضي الله عنه أنه عليه السلام "نهى عن لحوم الخيل والبغال والحمير".
وفيه حجة لأبي حنيفة على صاحبيه في تحليلهما أكل لحوم الخيل وما روياه عن جابر رضي الله عنه أنه قال : "نهى النبي عليه السلام عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحم الخيل" معارض لحديث خالد والترجيح للمحرم كذا في "حواشي" الفاضل سنان لبي.
والإشارة إلى الميتة جيفة الدنيا والحيوان هي الدار الآخرة ولو لم يكن للآخرة حياة لكانت جيفة (جيفة را براي مرد كيش جيفة كويند نى براي بوي زشت وصورت قبيحة) فارعف ، وفي "المثنوي" :
آن جهان ون ذره ذره زنده اند
نكته دانند وسخن كوينده اند
در جهان مرده شان آرام نيست
كين علف جز لائق أنعام نيست
هركرا كلشن بود بزم وطن
كى خورد او باده اندر كولخن
جاى روح اك عليين بود
كرم باشد كش وطن سركين بود
وإن الدم شهوات الدنيا.
ولحم الخنزير الغيبة والحسد والظلم.
وما أهل لغير الله به مباشرة كل عمل مباح لاوللتقرب إليه بل لهوى النفس وطلب حظوظها كما في "التأويلات النجمية" ﴿فمن اضطر﴾ الاضطرار الاحتياج إلى الشيء واضطره إليه أحوجه وألجأه فاضطر بضم الطاء والضرورة الحاجة.
قال الكاشفي (ضلى هركه بياره شود ومحتاج كردد بخوردن يكى از محرمات) فتناول شيئا من ذلك حال كونه ﴿غير باغ﴾ أي : على مضطر آخر بالاستئثار عليه فإن هلاك الآخر ليس بأولى من هلاكه فهو حال من فعل مقدر كما أشير إليه.
والباغي من البغي يقال بغي عليه بغيا علا وظلم ﴿ولا عاد﴾ أي : متجاوز قدر الضرورة وسد الجوع يقال عدا الأمر وعنه جاوزه ﴿فإن الله غفور رحيم﴾ أي : لا يؤاخذه بذلك فأقيم سببه مقامه.