تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿وضرب الله مثلا قرية﴾ أي : قصة أهل قرية كانت في قرى الأولين وهي أيلة كما في الكواشي وهي بلد بين ينبع ومصر وضرب المثل صنعه واعتماله ولذا قال الكاشفي في تفسيره (ويدا كرد خدا مثلي) ولا يتعدى إلا إلى مفعول واحد وإنما عدي إلى اثنين لتضمينه معنى الجعل وتأخير قرية مع كونها مفعولا أولا لئلا يحول المفعول الثاني بينها وبين صفتها وما يترتب عليها إذ التأخير عن الكل مخل بتجاذب أطراف النظم وتجاوبها.

والمعنى جعل أهلها مثلا لأهل مكة خاصة أو لكل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة ففعلوا ما فعلوا فبدل الله بنعمتهم نقمة ودخل فيهم أهل مكة دخولا أوليا ﴿كانت ءامنة﴾ ذات أمن من كل مخوف.

قال الكاشفي : (أيمن از نزول قياصره وقصه جبابره) ﴿مطماانة﴾ (ارميده واهل آن آسوده).

قال في الكواشي لا ينتقلون عنها إلى غيرها لحسنها ﴿يأتيها رزقها﴾ أقوات أهلها صفة ثانية لقرية وتغير سبكها عن الصفة الأولى لما أن إتيان رزقها متجدد وكونها

88

آمنة مطمئنة ثابت مستمر ﴿رغدا﴾ واسعا ﴿من كل مكان﴾ من نواحيها من البر والبحر ﴿فكفرت﴾ أي : كفر أهلها ﴿بأنعم الله﴾ أي : بنعمه جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وادرع والمراد بها نعمة الرزق والأمن المستمر وإيثار جمع القلة للإيذان بأن كفران نعمة قليلة حيث أوجب هذا العذاب فما ظنك بكفران نعم كثيرة.

روي أن أهل أيلة كانوا يستنجون بالخبز كما في الكواشي.

يقول الفقير : الخبز هو الأصل بين النعم الإلهية ولذا أمر آدم عليه السلام الذي هو أصل البشر بالحراثة فمن كفر به فقد كفر بجميع النعم وتعرض لزوالها وكذا الاعتقاد الصحيح الذي عليه أهل السنة والجماعة هو الأساس المبني عليه قبول الأعمال الصالحة فمن أفسد اعتقاده فقد أفسد دينه وتعرض لسخط الله تعالى :

بآب زمزم اكرشست خرقه زاهد شهر

ه سود ازان وندارد طهارت ازلي

والمقصود طهارة الوجود والقلب عن لوث الآنية والتعلق بغير الله تعالى ﴿فأذاقها الله﴾ أي : أذاق أهلها.

وبالفارسية (س بشانيد خداى تعالى اهل آنرا) واصل الذوق بالفم ثم يستعار فيوضع موضع الابتلاء والاختبار كما في "تفسير أبي الليث" ﴿لباس الجوع﴾ حتى أكلوا ما تغوطوه لأن الجزاء من جنس العمل.

قال في "الأسئلة المقحمة في الأجوبة المقحمة" كيف سمي الجوع لباسا قيل لأنه يظهر من الهزال وشحوب اللون وضيق الحال ما هو كاللباس ﴿والخوف﴾ .

قال في "الإرشاد" شبه أثر الجوع والخوف وضرهما المحيط بهم باللباس الغاشي للابس فاستعير له اسمه وأوقع عليه الإذاقة المستعارة لمطلق الإيصال المنبئة عن شدة الإصابة بما فيها من اجتماع إدراك الملامسة والذائقة على نهج التجريد فإنها لشيوع استعمالها في ذلك وكثرة جريانها على الألسنة جرت مجرى الحقيقة ﴿بما كانوا يصنعون﴾ فيما قبل من الكفران ثم بين أن ما فعلوه من كفران النعم لم يكن مزاحمة منهم لقضية العقل فقط بل كان ذلك معارضة لحجة الله على الخلق أيضا فقال :

جزء : 5 رقم الصفحة : 86

﴿ولقد جآءهم﴾ أي : أهل تلك القرية ﴿رسول منهم﴾ أي : من جنسهم يعرفونه بأصله ونسبه فأخبرهم بوجوب الشكر على النعمة وأنذرهم سوء عاقبة الكفران ﴿فكذبوه﴾ في رسالته ﴿فأخذهم العذاب﴾ المستأصل غب ما ذاقوا نبذة من ذلك ﴿وهم ظالمون﴾ حال كونهم ظالمين بالكفران والتكذيب حيث جعلوا الأول موضع الشكر والثاني موضع التصديق وترتيب العذاب على التكذيب جرى على سنة الله تعالى كما قال.

﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ (الإسراء : 15).

قال ابن عباس رضي الله عنهما هذا المثل لأهل مكة فإنهم كانوا في حرم آمن ويتخطف الناس من حولهم وما يمر ببالهم طيف من الخوف وكانت تجبي إليه ثمرات كل شيء ولقد جاءهم رسول منهم فكفروا بأنعم الله وكذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابهم بدعائه صلى الله عليه وسلم بقوله : "اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف" ما أصابهم من القحط والجدب حتى أكلوا الجيف والكلاب الميتة والجلود والعظام المحرقة والعلهز وهو الوبر والدم أي : يخلط الدم بأوبار الإبل ويشوي على النار وصار الواحد منهم يرى ما بينه وبين السماء كالدخان من الجوع وقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة حيث كانوا يغيرون على مواشيهم وعيرهم وقوافلهم

89

فوقعوا في خوف عظيم من أهل الإسلام حتى تركوا سفر الشام والتردد إليه ثم أخذهم يوم بدر ما أخذهم من العذاب.

جزء : 5 رقم الصفحة : 89

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٥ · الصفحة ٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٥ · ص ٦٨