وفي "التأويلات النجمية" : الأعجمي هو الذي لا يفهم من كلام الله تعالى ما أودع الله فيه من الأسرار والإشارات والمعاني والحقائق فإنه لا يحصل ذلك إلا لمن رزقه الله فهما يفهم به واللسان العربي هو الذي يسره الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وبين له معانيه وحقائقه كما قال تعالى : ﴿فإنما يسرناه بلسانك﴾ (مريم : 97) وقال : ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرءانه * ثم إن علينا بيانه﴾ (القيامة : 18 19) فالعربي المبين هو الذي أعطاه الله قلبا فهيما ولسانا مبينا فافهم جدا.
جزء : 5 رقم الصفحة : 79
﴿إن الذين لا يؤمنون بآيات الله﴾ أي : لا يصدقون أنها من عند الله بل يقولون فيها ما يقولون يسمونها تارة افتراء وأخرى أساطير معلمة من البشر ﴿لا يهديهم الله﴾ إلى سبيل النجاة هداية موصلة إلى المطلوب لما علم أنهم لا يستحقون ذلك لسوء حالهم ﴿ولهم﴾ في الآخرة ﴿عذاب أليم﴾ (عذابي دردناك بجهت كفر ايشان بقرآن ونسبت افتراء بحضرت يغمبر صلى الله عليه وسلم وحال آنكه مفترى ايشانند).
﴿إنما يفترى الكذب﴾ التصريح بالكذب للمبالغة في بيان قبحه والفرق بين الافتراء والكذب أن الافتراء هو افتعال الكذب من قول نفسه والكذب قد يكون على وجه التقليد للغير فيه وفاعل يفترى هو قوله : ﴿إن الذين لا يؤمنون باايات﴾ رد لقولهم إنما أنت مفتر يعني إنما يليق افتراء الكذب بمن لا يؤمن لأنه لا يترقب عقابا عليه ليرتدع عنه وأما من يؤمن بها ويخاف ما نطقت به من العقاب فلا يمكن أن يصدر عنه افتراء البتة.
قال في "التأويلات النجمية" : وجه الاستدلال أن الافتراء من صفات النفس الأمارة بالسوء وهي نفس الكافر الذي لا يؤمن بآيات الله فإن نفس المؤمن مأمورة لوامة ملهمة من عند الله مطمئنة بذكر الله ناظرة بنور الله مؤمنة بآيات الله لأن الآيات لا ترى إلا بنور الله كما قال صلى الله عليه وسلم "المؤمن ينظر بنور الله" فإذا كان من شأن المؤمن أن لا يفتري الكذب إذ هو ينظر بنور الله فكيف يكون من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفتري الكذب وهو نور من الله ينظر بالله ﴿وأولئك﴾ الموصوفون بما ذكر من عدم الإيمان بآيات الله ﴿هم الكاذبون﴾ على الحقيقة لا على الزعم بخلاف رسول الله صلى الله
83
عليه وسلم فإن حاله على العكس أو الكاملون في الكذب إذ لا كذب أعظم من تكذيب آياته والطعن فيها بأمثال هاتيك الأباطيل.
فاللام للجنس والحقيقة ويدعى قصر الجنس في المشار إليهم مبالغة في كمالهم في الكذب وعدم الاعتداد بكذب غيرهم.
قال في "الإرشاد" : السر في ذلك أن الكذب الساذج الذي هو عبارة عن الأخبار بعدم وقوع ما هو واقع في نفس الأمر بخلق الله تعالى أو بوقوع ما لم يقع كذلك مدافعةتعالى في فعله فقط والتكذيب مدافعة له سبحانه في فعله وقوله المنبىء عنه معا انتهى.
قيل للنبي صلى الله عليه وسلم المؤمن؟ يزني قال : "قد يكون ذلك" قيل : المؤمن يسرق؟ قال : "قد يكون ذلك" قيل : المؤمن يكذب؟ قال : "لا" ويكفي في قبح الكذب أن الشيطان استثنى العباد المخلصين من أهل الإغواء ولم يكذب فإنه يعلم أن وسوسته لا تؤثر فيهم.
قال أرستطاليس : فضل الناطق على الأخرس بالنطق وزين النطق الصدق والأخرس والصامت خير من الكاذب.
جزء : 5 رقم الصفحة : 79
بهائم خموشند وكويا بشر
را كنده كوى از بهائم بتر
وقد قالوا : النجاة في الصدق كما أن الهلاك في الكذب خطب الحجاج يوما فأطال فقام رجل وقال : الصلاة الصلاة الوقت يمضي ولا ينتظرك يا أمير الحبشة فقال قومه : إنه مجنون قال إن أقر بجنته فقيل له فقال : معاذ الله أن أقول ابتلاني وقد عافاني فبلغه فعفا عنه لصدقه فصار الصدق سببا للنجاة اللهم اجعلنا من الصادقين.
جزء : 5 رقم الصفحة : 79