﴿من كفر بالله﴾ أي : تلفظ بكلمة الكفر ﴿منا بعد إيمانه﴾ به تعالى كابن حنظل وطعمة ومقيس وأمثالهم ومن موصولة ومحلها الرفع على الابتداء والخبر محذوف لدلالة الخبر الآتي عليه وهو قوله : ﴿فعليهم غضب﴾ وقدره الكاشفي بقوله : (در معرض غضب رباني باشد) لكنه جعل من شرطية كما يدل عليه تعبيره بقوله : (هركه كافر شود بخداي تعالى ازس ايمان خويش ومرتد كردد) ويجوز أن يكون الخبر الآتي خبرا لهما معا ﴿إلا من﴾ (مكر كسى كه) ﴿أكره﴾ اجبر على ذلك التلفظ بأمر يخاف على نفسه أو على عضو من أعضائه وهو استثناء متصل من حكم الغضب والعذاب لأن الكفر لغة يعم القول والعقد كالإيمان أي : لا من كفر بإكراه وقيل منقطع لأن الكفر اعتقاد والإكراه على القول دون الاعتقاد.
والمعنى لكن المكره على الكفر باللسان ﴿وقلبه مطماانا بالايمان﴾ (ارميده باشد) بالإيمان حال من المستثنى أي : والحال أن قلبه مطمئن بالإيمان لم تتغير عقيدته وفيه دليل على أن الإيمان المنجي المعتبر عند الله هو التصديق بالقلب ﴿ولاكن من﴾ لم يكن كذلك بل ﴿شرح بالكفر صدرا﴾ أي : اعتقده وطاب به نفسا.
وبالفارسية (وليكن هركس كه كشايد بكفر سينه را) ﴿فعليهم غضب﴾ عظيم ﴿من الله﴾ في الحديث "إن غضب الله هو النار" ﴿ولهم عذاب عظيم﴾ العذاب والعقاب الإيجاع الشديد وتقديم الظرف فيهما للاختصاص والدلالة على أنهم أحقاء بغضب الله وعذابه العظيم لاختصاصهم بعظم الجرم وهو الارتداد.
قال ابن عباس رضي الله عنهما نزلت الآية في عمار رضي الله عنه وذلك أن كفار قريش أخذوه وأبويه ياسر وسمية وصهيبا وبلالا وخبابا وسالما فعذبوهم ليرتدوا فأبى أبواه فربطوا سمية بين بعيرين ووجيء أي : ضرب بحربة في قبلها وقالوا إنما أسلمت من أجل الرجال والتعشق بهم
84
جزء : 5 رقم الصفحة : 84
فقتلوها وقتلوا ياسرا وهما أول قتيلين في الإسلام وأما عمار فكان ضعيف البدن فلم يطق لعذابهم فأعطاهم بلسانه ما أكرهوه عليه وهو سب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر الأصنام بخير فقالوا : يا رسول الله إن عمارا كفر فقال عليه الصلاة والسلام : "كلا إن عمارا ملىء إيمانا من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه" فأتى عمار رسول الله وهو يبكي فجعل رسول الله يمسح عينيه وقال : "مالك إن عادوا لك فعدلهم بما قلت" وهو دليل على جواز التكلم بكلمة الكفر عند الإكراه الملجيء وإن كان الأفضل أن يجتنب عنه ويصبر على الأذى والقتل كما فعله أبواه كما روى أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين فقال لأحدهما : ما تقول في محمد؟ قال رسول الله قال : فما تقول في؟ قال : فأنت أيضا فخلاه وقال للآخر : ما تقول في محمد؟ قال : رسول الله قال : فما تقول في؟ قال : أنا أصم فأعاد ثلاثا فأعاد جوابه فقتله فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أما الأول فقد أخذ برخصة الله وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئا له ، وفي الحديث : "أفضل الجهاد كلمة العدل عند سلطان جائر" وإنما كان أفضل الجهاد لأن من جاهد العدو كان مترددا بين خوف ورجاء ولا يدري هل يغلب أو يغلب وصاحب السلطان مقهور في يده فهو إذا قال الحق وأمره بالمعروف فقد تعرض للتلف فصار ذلك أفضل أنواع الجهاد من أجل غلبة الخوف كذا في "أبكار الأفكار في مشكل الأخبار".
﴿ذالك﴾ الكفر بعد الإيمان ﴿بأنهم﴾ أي : بسبب أنهم ﴿استحبوا﴾ (دوست داشتند وبركزيدند) فتعدية الاستحباب بعلى لتضمنه معنى الإيثار ﴿الحيواة الدنيا﴾ (زندكانى دنيارا) ﴿على الاخرة﴾ (بر نعيم آخرت) ﴿وأن الله﴾ (وديكر بجهت آنست كه خداى تعالى) ﴿لا يهدى﴾ إلى الإيمان وإلى ما يوجب الثبات عليه هداية قسر والجاء ﴿القوم الكافرين﴾ في علمه المحيط فلا يعصمهم من الزيغ وما يؤدي إليه من الغضب والعذاب العظيم ولولا أحد الأمرين إما إيثار الحياة الدنيا على الآخرة وإما عدم هداية الله سبحانه للكافرين هداية قسر بأن آثروا الآخرة على الحياة الدنيا أو بأن هداهمتعالى هداية قسر لما كان ذلك لكن الثاني مخالف للحكمة والأول مما لا يدخل تحت الوقوع وإليه أشير بقوله تعالى :
جزء : 5 رقم الصفحة : 84
﴿أولئك﴾ الموصوفون بما ذكر من القبائح ﴿الذين طبع الله﴾ (مهر نهاد خداي تعالى) ﴿على قلوبهم﴾ (بر دلهاى ايشان تا قول حق درنيا فتند) ﴿وسمعهم﴾ (وبركوشهاى ايشان تاسخن حق نسنوند) ﴿وأبصارهم﴾ (وبر ديدهاى ايشان تا آثار قدرت حق نديدند) ﴿وأولئك هم الغافلون﴾ أي : الكاملون في الغفلة أعظم من الغفلة عن تدبر العواقب.