المقدس وحاتم الجواد وفي صيغة التفعيل في الموضعين إشعار بأن التدريج في الإنزال مما يقتضيه الحكمة البالغة ﴿من ربك﴾ من سيدك ومتولى أمرك ﴿بالحق﴾ في موقع الحال أي : نزله ملتبسا بالحق الثابت الموافق للحكمة المقتضية له بحيث لا يفارقها إنشاء ونسخا وفيه دلالة على أن النسخ حق ﴿ليثبت﴾ الله تعالى أو جبريل مجازا ﴿الذين ءامنوا﴾ على الإيمان بأنه كلامه فإنهم إذا سمعوا الناسخ وتدبروا ما فيه من رعاية المصالح اللائقة بالحال رسخت عقائدهم واطمأنت قلوبهم على أن الله حكيم فلا يفعل إلا ما هو حكمة وصواب ﴿وهدى﴾ من الضلالة ﴿وبشرى﴾ بالجنة ﴿للمسلمين﴾ المنقادين لحكمه تعالى وهما معطوفان على محل ليثبت والتقدير تثبيتا لهم وهداية وبشارة.
وفيه تعريض بحصول أضداد الأمور المذكورة لمن سواهم من الكفار.
جزء : 5 رقم الصفحة : 79
قال في "التأويلات النجمية" : إن الله تعالى هو الطبيب والقرآن هو الدواء يعالج به من مرض القلوب كقوله تعالى : ﴿وشفآء لما فى الصدور﴾ (يونس : 57) كما أن الطبيب يداوي المريض كل وقت بنوع من الأدوية على حسب المزاج والعلة لإزالتها ويبدل الأشربة والمعاجين بنوع آخر وهو أعلم بالمعالجة من غيره وكذلك الله عز وجل يعالج قلوب العباد بتبديل آية وإنزال آية مكانها والله أعلم بما ينزل ويعالج به العبد فالذين لا يعلمون قوانين الأمراض والمعالجات يحملون ذلك على الافتراء وفي التنزيل والتبديل تثبيت الإيمان في قلوب المؤمنين بإزالة أمراض الشكوك عن قلوبهم فإن القرآن شفاء وهدى لصحة الدين وسلامة القلوب وبشارة للمسلمين الذين استسلموا للطبيب والمعالجة لصحة دينهم وكان الصحابة رضي الله عنهم يكتفون ببعض السور القرآنية ويشتغلون في العمل بها فإن المقصود من القرآن العمل به.
روي أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : علمني مما علمك الله فدفعه إلى رجل يعلمه القرآن فعلمه ﴿إذا زلزلت الارض﴾ حتى بلغ ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ (الزلزلة : 7 8) فقال الرجل : حسبي فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال : "دعوه فقد فقه الرجل" ، قال الشيخ سعدي قدس سره :
علم ندانكه بيشتر خواني
ون عمل درتونيست ناداني
نه محقق بود نه دانشمند
ار ايى بروكتابى ند
آن تهى مغزراه علم وخبر
كه بروهيزم است ويا دفتر
وقال : (عالم نا رهيز كار كوريست شعله دار.
بى فائده هركه عمر درياخت يزى تخريدوزر بينداخت) أي : أشاع المال ولم يكن على شيء نسأل الله التوفيق للتقوى والعمل بالقرآن في كل مكان وزمان.
جزء : 5 رقم الصفحة : 79
﴿ولقد نعلم﴾ ادخل قد توكيدا لعلمه بما يقولون ومرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعد والوعيد لهم.
ذكر ابن الحاجب أنهم نقلوا قد إذا دخلت على المضارع من التقليل إلى التحقيق كما أن ربما في المضارع نقلت من التقليل إلى التحقيق.
﴿أنهم﴾ أي : كفار مكة ﴿يقولون إنما يعلمه﴾ أي : القرآن ﴿بشر﴾ .
قال الإمام الواحدي في "أسباب النزول" عن عبيد بن مسلمة قال : كان لنا غلامان نصرانيان من أهل عين التمر اسم أحدهما يسار
82
والآخر جبر وكانا صيقلين (يعني شمشير هارا صيقل زدندى) فكانا يقرآن كتابا لهم بلسانهم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر بهما ويسمع قراءتهما فكان المشركون يقولون يتعلم منهما فأنزل الله تعالى هذه الآية وأكذبهم فالمراد بالبشر ذانك الغلامان ﴿لسان الذى يلحدون إليه أعجمى﴾ مبتدأ وخبر وكذا ما بعده لإبطال طعنهم.
والإلحاد الإمالة من ألحد القبر إذا مال حفره عن الاستقامة فحفر في شق منه ثم استعير لكل إمالة عن الاستقامة فقالوا : ألحد فلان في قوله وألحد في دينه ومنه الملحد لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها ولم يمله عن دين إلى دين والأعجمي هو الذي لا يفصح وإن كان عربيا والعجمي المنسوب إلى العجم وإن كان فصيحا.
والمعنى لغة الرجل الذي يميلون إليه القول عن الاستقامة ويشيرون إليه أنه يعلم محمدا أعجمية غير بينة ﴿وهاذا﴾ القرآن الكريم ﴿لسان عربى مبين﴾ ذو بيان وفصاحة فكيف يصدر عن أعجم.
يعني أن القرآن معجز بنظمه كما أنه معجز بمعناه لاشتماله على الأخبار عن الغيب فإن زعمتم أن بشرا يعلمه معناه فكيف يعلمه هذا النظم الذي أعجز جميع أهل الدنيا.