تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وروى جبير بن مطعم قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فقال : "الله أكبر كبيرا والحمدكثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من نفخه ونفثه وهمزه" قال ابن مسعود رضي الله عنه : نفخه الكبر ونفثه الشعر وهمزه الموتة يعني الجنون.

وفي قوله : ﴿إنه ليس له سلطان﴾ الآية إشارة إلى أن تصرف الشيطان وقدرته بالإغواء والاضلال على الإنسان إنما ينقطع بقدر نور الإيمان وقوة التوكل فمهما يكمل الإيمان والتوكل يكون المؤمن زاهدا عن الدنيا راغبا في الآخرة متبتلا إلى الله تعالى فلا يبقى للشيطان عليه سلطان في إضلاله وإغوائه ولكن يؤول أمره إلى الوسوسة وفيها صلاح المؤمن فإن إبريز إخلاص قلبه عن غش صفات نفسه لا يتخلص إلا بنار وسوسة الشيطان لأنه يطلع على بقايا صفات نفسه بما تكون الوسوسة من جنسه فيزيد في الرياضة ومجاهدة النفس وملازمة الذكر فبها تنقص وتنمحي بقية صفات النفس ويزداد نور الإيمان وقوة التوكل وقربة الحق وقبوله.

وفي بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إن إبليس قال : يا رب قلت في كتابك إن عبادي ليس لك عليهم سلطان فمن هم؟ فقال تعالى : من كان نور وجهه من عرشي وطينه من طين إبراهيم ومحمد عليهما السلام وقلبه خزينتي قال إبليس فمن هم؟ فقال تعالى : من كان نادما على ذنبه وخائفا من خاتمته فنور وجهه من نور عرشي ومن كان يطعم الطعام ويرحم العباد فطينه من طينهما ومن كان راضيا بحكمي مسارعا إلى ابتغاء مرضاتي فقلبه خزينتي".

وفي الخبر : "إذا لعن المؤمن

80

شيطانا يقول : لعنت لعينا وإذا قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يقول قصم ظهري لأنه يحيل إلى القادر".

وفي الخبر "من استعاذ بالله في اليوم عشر مرات من الشيطان وكل الله به ملكا يرد عنه الشياطين" ، قال الحافظ :

درراه عشق وسوسه اهرمن بسيست

هش دار وكوش دل بيام سروش كن

واعلم أن الاستعاذة واجبة على كل من شرع في قراءة القرآن سواء بدأ من أوائل السور أو من أجزائها مطلقا وإن أراد به افتتاح الكتب أو الدرس كما يقرأ التلميذ على الأستاذ لا يتعوذ كذا في "أنوار المشارق" والوجوب مذهب الجمهور كما في "الإرشاد" ، وقال الفناري في تفسير الفاتحة والاستعاذة غير واجبة عند الجمهور والأمر في فاستعذ للندب انتهى.

وقال الكاشفي في تفسيره : (وأمر باستعاذة قبل از قراءت بقول جمهور أمر استحبابست وباختيار جمعي از كبرا برسبيل ايجاب.

در تفسير قرطبي قولي هست كه استعاذه برحضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم تنها فرض بوده بوقت قراءت واقتداء امت برو برسبيل سنت است) انتهى.

والتعوذ في الصلاة ينبغي أن يكون واجبا لظاهر الأمر إلا أن السلف أجمعوا على سنته كما في "الكاشفي".

قال القرطبي أبو حنيفة والشافعي رحمهما الله يتعوذان في الركعة الأولى في الصلاة ويريان قراءة الصلاة كلها قراءة واحدة كما في "حواشي" سعدى المفتي.

والغرض نفي الوسوسة في التلاوة فشرع لافتتاح القراءة.

قال جعفر الصادق رضي الله عنه : إن التعوذ تطهير الفم عن الكذب والغيبة والبهتان تعظيما لقراءة القرآن :

جزء : 5 رقم الصفحة : 79

زبان آمد ازبهر شكر وساس

بغيبت نكرداندش حق شناس

﴿وإذا بدلنآ ءاية مكان ءاية﴾ قال سلطان المفسرين ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزلت عليه آية فيها شدة أخذ الناس بها وعملوا ما شاء الله أن يعملوا فيشق ذلك عليهم فينسخ الله هذه الشدة ويأتيهم بما هو ألين منهما وأهون عليهم رحمة من الله تعالى فيقول لهم كفار قريش : إن محمدا يسخر بأصحابه يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدا ويأتيهم بما هو أهون عليهم وما هو إلا مفتر يقوله من تلقاء نفسه.

والمعنى : إذا أنزلنا آية من القرآن مكان آية منه وجعلناها بدلا منها بأن نسخناها ﴿والله أعلم بما ينزل﴾ جملة معترضة بين الشرط وجوابه وهو قالوا لتوبيخ الكفرة على قولهم والتنبيه على فساد سندهم أي : اعلم بما ينزل أولا وآخرا من الأحكام والشرائع التي هي مصالح ورب شيء يكون مصلحة في وقت يكون مفسدة في وقت آخر فينسخه ويثبت مكانه ما يكون مصلحة لخلقه ﴿قالوا﴾ أي : الكفرة ﴿إنمآ أنت مفتر﴾ على الله متقول من عند نفسك ﴿بل أكثرهم لا يعلمون﴾ أن الله أمر بأشياء نظرا لصلاح عباده وأقلهم يعلم الحكمة في النسخ ولكن ينكر عنادا.

﴿قل﴾ ردا عليهم ﴿نزله﴾ أي : القرآن المدلول عليه بالآية ﴿روح القدس﴾ أي : الروح المقدس المطهر من الأدناس البشرية وهو جبريل عليه السلام وإضافة الروح إلى القدس وهو الطهر كإضافة حاتم إلى الجود حيث قيل حاتم الجود للمبالغة في ذلك الوصف كأنه طبع منه فالمراد الروح

81

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٥ · الصفحة ٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٥ · ص ٦٢