تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿إنما سلطانه﴾ أي : تسلطه وغلبته بدعوته المستتبعة للاستجابة لا سلطانه بالقسر والإلجاء فإنه منتف عن الفريقين لقوله تعالى حكاية عنه ﴿وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى﴾ (إبراهيم : 22) وقد أفصح عنه قوله تعالى : ﴿على الذين يتولونه﴾ أي : يتخذونه وليا ويستجيبون دعوته ويطيعونه فإن المقسور بمعزل عن ذلك كذا في "الإرشاد" وهو جواب عما قال السمرقندي في تفسيره من أن في بناء الكلام على الحصر والاختصاص ردا للشيطان في قوله للكفرة في جهنم ﴿وما كان لى عليكم من سلطان﴾ (إبراهيم : 22) وتكذيبا له انتهى ﴿والذين هم به﴾ سبحانه وتعالى ﴿مشركون﴾ مثبتون الشريك في الألوهية أو بسبب الشيطان إذ هو الذي حملهم على الإشراك بالله.

قال في "التأويلات النجمية" : الخطاب في هذه الآية مع الأمة وإن خص النبي صلى الله عليه وسلم لأن الشيطان كان يفر من ظل عمر رضي الله عنه وهو أحد تابعيه فكيف يقدر على أن يدور إليه سيما أسلم شيطانه على يده صلى الله عليه وسلم يدل عليه قوله : ﴿إنه ليس له سلطان على الذين ءامنوا وعلى ربهم يتوكلون﴾ يعني سلطان نور الإيمان والتوكل غالب على سلطان وسوسة الشيطان فإذا كان هذا حال الأمة مع الشيطان فكيف يكون حال النبوة معه فثبت أن المراد بالخطاب الأمة وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم به لتعتبر الأمة وتتنبه أن مثل النبي صلى الله عليه وسلم مهما

79

يكن مأمورا بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم فتكون الأمة بها أولى وأحق.

قال بعضهم : المراد كل شيطان أو القرين فقط الظاهر أنه في حقنا القرين قال الله تعالى : ﴿ومن يعش عن ذكر الرحمان نقيض له شيطانا فهو له قرين﴾ (الزخرف : 36) وفي حق رسول الله صلى الله عليه وسلم إبليس أما نحن فلأن الإنسان لا يؤذيه من الشياطين إلا ما قرن به وما بعد فلا يضره شيئا والعاقل لا يستعيذ ممن لا يؤذيه وأما الرسول صلى الله عليه وسلم فإن قرينه لما أسلم تعين أن يكون الاستعاذة من إبليس أو أكابر جنوده وتخصيص الاستعاذة بالله عند قراءة القرآن من الشيطان الرجيم لمعان وفوائد أولها كي يتذكر القارىء واقعة الشيطان ويتفكر في أمره أنه إنما صار شيطانا رجيما بعد أن كان ملكا كريما لأنه فسق عن أمر ربه وخالفه وأبى أن يسجد لآدم واستكبر وكان من الكافرين أي : فصار من الكافرين فيتنبه بذلك عند قراءة القرآن ويصفي نيته قبل القراءة على أن يأتمر بما أمره الله في القرآن وينتهي عما نهاه عنه احترازا عن المخالفة فإن فيها الطرد واللعن والرجم والفسق والكفر وأنها مظنة للخلود في النار وثانيها لأن العبد لا يخلو من حديث النفس وهواجسها ومن إلقاء الشيطان ووساوسه وقلبه لا بد يتشوش بذلك فلا يجد حلاوة كلام الله فأمر بالاستعاذة وتزكيته للنفس عن هواجسها وتصفيته للقلب عن وساوس الشيطان ليتجلى بنور القرآن فإن التجلية تكون بعد التزكية والتصفية وثالثها لأن في كل كلمة من كلمات القرآنتعالى إشارات ومعاني وحقائق لا يفهمها إلا قلب مطهر عن تلوثات الهواجس والوساوس معطر بطيب أنفاس الحق وذلك مودع في الاستعاذة بالله فأمر بها لحصول الفهم.

جزء : 5 رقم الصفحة : 79

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٥ · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٥ · ص ٦١