وفي "التأويلات النجمية" : يشير بالذكر إلى القلب وبالأنثى إلى النفس فالعمل الصالح من النفس استعمال الشريعة بتقوى الله وصدقه على وفق الطريقة تزكية عن صفاتها الذميمة وأفعالها الطبيعية والعمل الصالح من القلب حسن توجهه إلى الله بالكلية لطلب الله والإعراض عما سواه تصفية للتحلية بصفات الله والتخلق بأخلاقه وبقوله : ﴿فلنحيينه حيواة طيبة﴾ يشير إلى إحياء كل واحد منهما بالحياة الطيبة على قدر صلاحية عمله وحسن استعداد في قبولها فإحياء النفس بالحياة الطيبة أن تصير مزكاة عن صفاتها متحلية بأخلاق القلب الروحاني مطمئنة بذكر الله راجعة إلى ربها راضية مرضية وإحياء القلب بالحياة الطيبة أن يصير متخلقا بأخلاق الله ويكون فانيا عن أنانيته بهويته حيا بحياته طيبا عن دنس الإثنينية ولوث الحدوث فإن الله طيب عن هذه الأوصاف فلا يقبل إلا طيبا.
ثم اعلم أن صلاحية أعمال العباد إنما تكون على قدر صدقهم في المعاملات وحسن استعدادهم في قبول الفيض الإلهي فيكون طيب حياتهم باحياء الله إياهم بحسب ذلك ولنجزينهم في الآخرة أجر كل طائفة منهم بأوفر ما كانوا يظنون أن يجازيهم الله على أعمالهم بيانه قوله : ﴿وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما﴾ (النساء : 40) وعن بعض أصحاب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله قال لما مات أحمد : رأيته في المنام وهو يمشي ويتبختر في مشيه فقلت له : يا أخي أي : مشية هذه؟ قال : مشية الخدام في دار السلام فقلت له : ما فعل الله بك قال : غفر لي وألبسني نعلين من ذهب وقال : هذا جزاء قولك القرآن كلام الله المنزل غير مخلوق وقال : يا أحمد قم حيث شئت فدخلت الجنة فإذا سفيان الثوري رحمه الله له جناحان أخضران يطير بهما من نخلة إلى نخلة وهو يقرأ هذه الآية ﴿الحمد لله الذى صدقنا وعده وأورثنا الارض نتبوأ من الجنة حيث نشآءا فنعم أجر العاملين﴾ (الزمر : 74) فقلت له : أي شيء خبر عبد الواحد الوراق رحمه الله قال : تركته في بحر من النور يراد به الملك الغفور فقلت : ما فعل بشر بن الحارث رحمه الله فقال : بخ بخ ومن مثل بشر تركته بين يدي الجليل والجليل سبحانه مقبل عليه وهو يقول كل يا من لم يأكل واشرب
78
يا من لم يشرب وتنعم يا من لم يتنعم.
وقال بعض الأخيار : رأيت الشيخ أبا إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي رحمه الله في المنام بعد وفاته وعليه ثياب بيض وعلى رأسه تاج فقلت له : ما هذا البياض؟ فقال : شرف الطاعة قلت : والتاج قال عز العلم فعلم من هذا المذكور أن من عمل صالحا لا بد أن يصل إليه جزاء عمله وأن الجزاء من جنس العمل وأنه يختلف بحسب اختلاف حال العامل.
فعلى العاقل المبادرة إلى الأعمال الصالحة والصبر على مشاق الطاعات إلى أن يجيىء وعد الله تعالى قال الحافظ :
صبركن حافظ بسختى روزوشب
عاقبت روزى بيابى كام را
جزء : 5 رقم الصفحة : 76
﴿فإذا قرأت القرءان﴾ أي : أردت قراءته عبر عن الإرادة بالقراءة على طريقة إطلاق اسم المسبب على السبب إيذانا بأن المراد هي الإرادة المتصلة بالقراءة ﴿فاستعذ بالله﴾ أي : فاسأله تعالى أن يعيذك ويحفظك ﴿من الشيطان﴾ البعيد عن الخير ﴿الرجيم﴾ المرجوم بالطرد واللعن أي : من وساوسه وخطراته كيلا يوسوسك عند القرآن فإن ناصية كل مخلوق بيده أو قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وهو المختار من الروايات الأربع عشرة الواردة في ألفاظ الاستعاذة كما في تفسير خواجه ارسا قدس سره.
﴿أنه﴾ أي : الشيطان أو الشان ﴿ليس له سلطان﴾ تسلط وولاية ﴿على الذين ءامنوا وعلى ربهم يتوكلون﴾ على أولياء الله المؤمنين به والمتوكلين عليه فإن وسوسته لا توثر فيهم لما أمر القارىء بأن يسأل الله تعالى أن يعيذه من وساوسه وتوهم منه أن له تسلطا وولاية على إغواء بني آدم كلهم بين الله تعالى أن لا تسلط له على المؤمنين المتوكلين فقوله إنه الخ في معرض التعليل للأمر باللاستعاذة وإشارة إلى أن مجرد القول لا ينفع بل لا بد لمن أراد أن لا يكون للشيطان سبيل عليه أن يجمع بين الإيمان والتوكل.
جزء : 5 رقم الصفحة : 79