تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أي : والله لنعطين ﴿الذين صبروا﴾ على أذية المشركين ومشاق الإسلام التي من جملتها الوفاء بالعهود والفقر ﴿أجرهم﴾ الخاص بهم بمقابلة صبرهم على الأمور المذكورة وهو مفعول ثان لنجزين ﴿بأحسن ما كانوا يعملون﴾ أي : لنجزينهم بما كانوا يعملونه من الصبر المذكور وإنما أضيف إليه الأحسن للاشعار بكمال حسنه كما في قوله تعالى : ﴿وحسن ثواب الاخرة﴾ (آل عمران : 148) فقد علم من الآيات أن للوفاء بالعهد والثبات على الإيمان والصبر على المشاق ثمرات دنيوية وأخروية.

فعلى العاقل أن لا ينقض المعاهدة التي بينه بين الله وكذا بين العلماء العاملين والصلحاء الكاملين.

وعن بعض أهل العلم كنت بالمصيصة فإذا برجلين يتكلمان في الخلوة مع الله تعالى فلما أرادا أن ينصرفا قال أحدهما للآخر : تعال نجعل لهذا العلم ثمرة ولا يكون حجة علينا فقال له أعزم على ما شئت فقال : أن لا آكل ما لمخلوق فيه صنع قال : فتبعتهما وقلت : أنا معكما فقالا : على الشرط قلت : على أي شرط شرطتما فصعدا جبل لكام ودلاني على كهف وقالا : تعبد فيه فدخلت فيه وجعل كل واحد يأتيني بما قسم الله تعالى وبقيت مدة ثم قلت : إلى متى أقيم ههنا أنا أسير إلى طرطوس وآكل من الحلال وأعلم الناس العلم واقرىء الناس فخرجت ودخلت طرطوس وأقمت بها سنة فإذا أنا برجل منهما قد وقف علي وقال : يا فلان خنت في عهدك ونقضت الميثاق ألا إنك لو صبرت كما صبرنا لوهب لك ما وهب لنا قلت : ما الذي وهب لكما؟ قال : ثلاثة أشياء : طي الأرض من المشرق إلى المغرب بقدم واحد والمشي على الماء والحجبة إذا شئنا ثم احتجب عني ففي هذه الحكاية ما يغني العاقل عن التصريح فانظر إلى ذلك العالم كيف اختار ما عند الناس فحرم مما عند الله من الكرامات والكفالات وذلك أن نقض العهد بسبب عرض دنيوي في صورة أمر ديني فإن التعليم وأقراء الناس وإن كان من الأمور الأخروية ألا أنه لا بد لطالب الحق حين تخليه وانقطاعه من التجرد عن كل اسم ورسم وصورة ، فإن قيل :

جزء : 5 رقم الصفحة : 76

منصب تعليم نوع شهوتيست

وما يعقل هذا المقام إلا العالمون وفي "المثنوي" :

كرنبودى امتحان هربدى

هر مخنث دروغا رستم بدى

خود مخنث را زره بوشيده كير

ون به بيند زحم كردد ون اسير

ونعم ما قيل وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان فمن زل عند الامتحان فقد افتضح وذاق وجع القطيعة والفراق وماله من خلاق ومن ثبت وصبر وافتكر العاقبة ظفر بالمراد وجوزى جزاء لا يعلمه إلا رب العباد فإنه أعد لعباده الصالحين ما لا عين رأيت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

﴿من﴾ (هركه) ﴿عمل﴾ (بكند) ﴿صالحا﴾ أي : عملا صالحا أي : عمل كان وهو ما كان لوجه الله تعالى ورضاه ليس فيه هوى ولا رياء والفرق بينهما أن الهوى بالنسبة إلى النفس والرياء بالنسبة إلى الخلق ﴿من ذكر أو أنثى﴾ أي : حال كون ذلك العامل من رجل أو امرأة بينه بالنوعين ليعمهما الوعد الآتي ولا يتوهم التخصيص بالذكور بناء على كثرة استعمال لفظ من فيهم وأن الإناث لا يدخلن في أكثر الأحكام والمحاورات إلا بطريق التغليب أو التبعية ﴿وهو﴾ أي : والحال أن ذلك العامل.

77

﴿مؤمن﴾ قيده به إذ لا اعتداد بأعمال الكفرة في استحقاق الثواب وإنما المتوقع عليها تخفيف العذاب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "إن الله تعالى يأمر بالكافر السخي إلى جهنم فيقول لمالك خازن جهنم عذبه وخفف عنه العذاب على قدر سخائه الذي كان في دار الدنيا" كما في "تفسير السمرقندي" ويؤيده ما قيل أنه لما عرج النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على النار فرأى حظيرة فيها رجل لا تمسه النار فقال جبرائيل عليه السلام : هذا حاتم طي صرف الله عنه عذاب جهنم بسخائه وجوده كما في "أنيس الوحدة".

﴿فلنحيينه حيواة طيبة﴾ في الدنيا يعيش عيشا طيبا لأنه إن كان موسرا فظاهر وإن كان معسرا فيطيب عيشه بالقناعة والرضى بالقسمة وتوقع الأجر العظيم في الآخرة كالصائم يطيب نهاره بملاحظة نعيم ليله بخلاف الفاجر فإنه إن كان معسرا فظاهر وإن كان موسرا فلا يدعه الحرص وخوف الفوت أن يتهنأ بعيشه ﴿ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ أي : ولنعطينهم في الآخرة أجرهم الخاص بهم بما كانوا يعملون من الصالحات وإنما أضيف إليه الأحسن للإشعار بكمال حسنه كما سبق في حق الصابرين.

جزء : 5 رقم الصفحة : 76

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٥ · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٥ · ص ٥٩