﴿وأوفوا﴾ أي : استمروا على الإيفاء وهو بالفارسية (وفا كردن) قال الكاشفي : (نزول آيت درشان جمعيست كه باحضرت رسالت صلى الله عليه وسلم درمكه عهد بستند وغلبه قريش وضعف مسلمانان مشاهده كرده جزع واضطراب درايشان بديد آمد شيطان خواست كه ايشانرا بفريبد تانقض عهد يغمبر كنند حق سبحانه وتعالى بدين آيت ايشانرا ثابت قدم كردانيد وفرموده كه وفاكنيد) ﴿بعهد الله﴾ وهو البيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام فإنها مبايعةتعالى لقوله تعالى : ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله﴾ (الفتح : 10) لأن الرسول فان في الله باق بالله وفي الحديث "الحجر الأسود يمين الله في أرضه فمن لم يدرك بيعة رسول الله فمسح الحجر فقد بايع الله ورسوله" والمبايعة من جهة الرسول هو الوعد بالثواب ومن جهة الآخر التزام طاعته وسميت المعاهدة مبايعة تشبيها بالمعاوضة المالية ثم هو عام لكل عهد يلتزمه الإنسان باختياره لأن خصوص السبب لا ينافي عموم الحكم ﴿إذا عاهدتم﴾ إذا عاقدتم وواثقتم والعهد العقد والميثاق ﴿ولا تنقضوا الايمان﴾ التي تحلفون بها عند المعاهدة أي : لا تحنثوا في الحلف ﴿بعد توكيدها﴾
73
حسبما هو المعهود في أثناء العهود أي : توثيقها بذكر الله وتشديدها باسمه كما في "بحر العلوم".
وقال سعدي المفتى : الظاهر أن المراد بالأيمان الأشياء المحلوف عليها كما في قوله عليه السلام : "من حلف على يمين" الخ لأنه لو كان المراد باليمين ذكر اسم الله فهو غير التأكيد لا المؤكد فتأمل ﴿وقد جعلتم الله عليكم كفيلا﴾ شاهدا رقيبا فإن الكفيل من يراعي لحال المكفول به محافظة عليه ﴿إن الله يعلم ما تفعلون﴾ من نقض الإيمان والعهود فيجازيكم على ذلك.
واعلم أن الوفاء تأدية ما أوجبت على نفسك إما بالقبول أو بالنذر.
وعن بعض المتكلمين إذا رأيتم الرجل أعطي من الكرامات حتى يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه في حفظ الحدود والوفاء بالعهود ومتابعة الشريعة.
قيل لحكيم أي : شيء أعمل حتى أموت مسلما؟ قال : لا تصحب مع الله إلا بالموافقة ولا مع الخلق إلا بالمناصحة ولا مع النفس إلا بالمخالفة ولا مع الشيطان إلا بالعداوة ولا مع الدين إلا بالوفاء.
جزء : 5 رقم الصفحة : 69
وفي "التأويلات النجمية" : ﴿وأوفوا بعهد الله﴾ بائتمار أوامر الله وانتهاء نواهيه ﴿إذا عاهدتم﴾ مع الله يوم الميثاق ﴿ولا تنقضوا الايمان﴾ مع الله ﴿بعد توكيدها﴾ وهو إشهادكم على أنفسكم وقولكم بلى شهدنا ﴿وقد جعلتم الله عليكم كفيلا﴾ بجزاء وفائكم وهو تكفل منكم بالوفاء بما عهد معكم على الجزاء كما قال ﴿وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم﴾ (البقرة : 40) وتفصيل الوفاء من الله والعبد ما شرح النبي صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ رضي الله عنه فقال : "هل تدري يا معاذ ما حق الله على الناس" قال : قلت : الله أعلم ورسوله قال : "حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا" أي : يطلبوه بالعبادة ولا يطلبوا معه غيره ثم قال : "أتدري يا معاذ ما حق الناس على الله إذا فعلوا ذلك" قال : قلت : الله ورسوله اعلم قال : "فإن حق الناس على الله أن لا يعذبهم" يعني بعذاب الفراق والقطيعة بل يشرفهم بالوجدان والوصال كما قال : "ألا من طلبني وجدني" وفي "المثنوي" :
ما درين دهليز قاضي قضا
بهر دعوي ألستيم وبلىون بلى كفتيم آنرا ز امتحان
فعل وقول ما شهوداست وبيان
ازه دردهليز قاضي تن زديم
نى كه ما بهر كواهى آمديم
تاكه تدهى آن كواهى اى شهيد
توازين دهليزكي خواهي رهيد
فعل وقول آمد كواهان ضمير
هردو يدايى كند سر ستيرجرعه برخاك وفا آنكس كه ريخت
كى تواند صيد دولت زوكريختس يمبر كفت بهر اين طريق
باوفاتر ازعمل نبود رفيقكربود نيكى ابد يارت شود
وربود بد در لحد مارت شود
﴿ولا تكونوا﴾ أيها المؤمنون في نقض العهد ﴿كالتى﴾ كالمرأة التي ﴿نقضت﴾ النقض في البناء والحبل وغيره ضد الإبرام كما في "القاموس".
وبالفارسية (شكستن يمان وشم بازكردن يارسمان) ﴿غزلها﴾ الغزل (ريسمان رستن) وهو ههنا مصدر بمعنى المغزول أي : ما غزلته من صوف وغيره ﴿منا بعد قوة﴾ متعلق بنقضت أي : من بعد إبرام ذلك الغزل وأحكامه فجعلته ﴿أنكاثا﴾ حال من غزلها جمع نكث بمعنى المنكوث وهو كل ما ينكث فتله أي : يحل
74