﴿إن الله يأمر﴾ في القرآن ﴿بالعدل﴾ بأن لا تظلموا أنفسكم وغيركم ولا تجوروا أي : بالتسوية في الحقوق فيما بينكم وترك الظلم وإيصال كل حق إلى ذي حقه أو يأمر بمراعاة التوسط بين الأمور اعتقادا كالتوحيد المتوسط بين التعطيل والتشريك والقول بالكسب المتوسط بين الجبر والقدر وكذا القول بأن الله لا يؤاخذ عبده المؤمن بشيء من الذنوب مساهلة عظيمة والقول بأنه يخلده في النار بالمعاصي تشديد عظيم والعدل مذهب أهل السنة وعملا كالتعبد بأداء الفرائض والواجبات المتوسطة بين البطالة والترهب وخلقا كالجود المتوسط بين البخل والتبذير والشجاعة المتوسطة بين
70
التهور والجبن والواجب معرفة الوسط في كل شيء فإن القصد ممدوح والإفراط والتفريط مذمومان وقال صلى الله عليه وسلم لمن سأله مستشيرا في الترهب وصيام الدهر وقيام الليل كله بعد زجره إياه "إن لنفسك عليك حقا ولزوجك عليك حقا ولزورك عليك حقا فصم وافطر وقم ونم" ولما رأى صلى الله عليه وسلم عمر رضي الله عنه يقرأ رافعا صوته فسأله فقال : أوقظ الوسنان واطرد الشيطان قال عليه السلام : "اخفض من صوتك قليلا" وأتى أبا بكر رضي الله عنه فوجده يقرأ خافضا صوته فسأله فقال : قد أسمعت من ناجيت فقال عليه السلام له : "ارفع من صوتك قليلا" ومثله الإمام فإنه لا يجهر فوق حاجة الناس ولا يخافت خافضا صوته بحيث يشتبه عليهم تلاوته فيراعى بين ذلك حدا وسطا وإلا فهو مسيىء.
وفي "التأويلات النجمية" : العدل صرف ما أعطاك الله من الآلات الجسمانية والروحانية ومن الأموال الدنيوية ومن شرائع الدين وأعماله في طلب الله والسير منك به إليه لأن صرفه في طلب غيره ظلم ، قال الحافظ :
جزء : 5 رقم الصفحة : 69
فداى دوست نكرديم عمر ومال دريغ
كه كار عشق زما اين قدر نمى آيد
﴿والاحسان﴾ وأن تحسنوا الأعمال مطلقا لقوله عليه السلام : "إن الله كتب الإحسان في كل شيء".
وعن فضيل أنه قال : لو أحسن الرجل الإحسان كله وكان له دجاجة فأساء إليها لم يكن من المحسنين.
وروى أن امرأة عذبت في هرة حبستها ولم تطعمها إلى أن ماتت.
وامرأة رحمها الله وغفر لها بسبب أن سقت كلبا عطشا بخفها.
وحكي أن حضرة الشيخ الشبلي رحمه الله مر في بعض طرق بغداد بهرة ترعد من برد الهواء فأخذها وجعلها في كمه رحمة لها فكان ذلك سبب قبوله عند الله ووصوله إلى درجة الولاية ويدخل فيه العفو عن الجرائم والإحسان إلى من أساء :
هركه سنكت دهد ثمر بخشش
والصبر على الأوامر والنواهي وأداء النوافل فإن الفرض لا بد من أن يقع فيه تفريط فيجبره الندب وفي الحديث : "حسنوا نوافلكم فبها تكمل فرائضكم" وفي المرفوع "النافلة هدية المؤمن إلى ربه فليحسن أحدكم هديته وليطيبها" كما في "المقاصد الحسنة".
وأيضا الإحسان هو المشاهدة كما قال عليه السلام : "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه وإن لم تكن تراه فإنه يراك" وليست المشاهدة رؤية الصانع بالبصر وهو ظاهر بل المراد بها حالة تحصل عند الرسوخ في كمال الإعراض عما سوى الله وتمام توجهه إلى حضرته بحيث لا يكون في لسانه وقلبه وهمه غير الله وسميت هذه الحالة المشاهدة لمشاهدة البصيرة إياه تعالى كما أشار إليها بعض العارفين بقوله :
خيالك في عيني وذكرك في فمي
وحبك في قلبي فأين تغيب
كذا في "الرسالة الرومية".
وفي "التأويلات النجمية" : الإحسان أن تحسن إلى الخلق بما أعطاك الله وأراك سبل الرشاد فترشدهم وتسلك بهم طريق الحق للوصول أو الوصال يدل عليه قوله تعالى : ﴿وأحسن كمآ أحسن الله إليك﴾ انتهى.
وأيضا العدل الإعراض عما سوى الله والإحسان الإقبال على الله ﴿وإيتآىا ذى القربى﴾ القربى بمعنى القرابة أي : أعطاه الأقارب ما يحتاجون إليه من المال والدعاء بالخير وهو داخل في الإحسان وإنما أفرد بالذكر إظهارا لجلالة صلة الرحم
71
وتنبيها على فضيلتها كقوله تعالى : ﴿تنزل الملائكة والروح﴾ والرحم عام في كل رحم محرما كان أو غير محرم وارثا كان أو غير وارث من أولاد الأعمام والعمات والأخوال والخالات وغير ذلك وقطع الرحم حرام موجب لسخط الله وانقطاع ملائكة الرحمة عن بيت القاطع والصلة واجبة باعثة على كثرة الرزق وزيادة العمر سريعة التأثير ومعناها التفقد بالزيارة والإهداء والإعانة بالقول والفعل وعدم النسيان وأقله التسليم وإرسال السلام أو المكتوب ولا توقيت فيها في الشرع بل العبرة بالعرف والعادة كما في "شرح الطريقة".
قال الكاشفي : (در فصول عبد الوهاب فرموده كه عدل توحيد است ومحبت خداى وإحسان دوستي حضرت بيغمبر وفرستادن صلوات برو وايتاء ذي القربى محبت أهل بيت است) ودعاء أصحابه رضي الله عنهم.
جزء : 5 رقم الصفحة : 69