تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿الذين كفروا﴾ في أنفسهم ﴿وصدوا﴾ غيرهم ﴿عن سبيل الله﴾ بالمنع عن الإسلام والحمل على الكفر ﴿زدناهم عذابا﴾ لصدهم ﴿فوق العذاب﴾ أي : كانوا يستحقونه بكفرهم.

والمعنى بالفارسية (بيفزابيم ايشانرا عذابى بر عذابى) ﴿بما كانوا يفسدون﴾ أي : زدنا عذابهم بسبب استمرارهم على الإفساد وهو الصد المذكور.

قال ابن جبير في زيادة عذابهم هي عقارب أمثال البغال وحيات أمثال البخت تلسع إحداهن اللسعة فيجد صاحبها حميتها أربعين خريفا ويقال : يسألون الله تعالى ألف سنة المطر ليسكن ما بهم من شدة الحر فيظهر لهم سحابة فيظنون أنها تمطر فجعلت السحابة تمطر عليهم بالحياة والعقارب فيشتد ألمهم لأنه إذا جاء الشر من حيث يؤمل الخير كان أغم.

وقال ابن عباس ومقاتل خمسة أنهار من صفر مذاب كالنار تسيل من تحت العرش يعذبون بها ثلاثة على مقدار الليل واثنان على مقدار النهار ، يعني : (نج جوى ازروى كداخته بطرف ايشان روان كردد وبسرجوى ازان معذب شوند در مقدار ساعات شبى ازشبهاى دنيا وبدو جوى ديكر درمت اندازه روزى ازروزهاى اين جهان).

يقول الفقير لعل سر هذا العدد أن أركان الإسلام خمسة لا سيما أن الصلوات الخمس في تطهير الباطن كالأنهار الخمسة الجارية لتطهر الظاهر فلما أضاعوا هذه الأركان وما أقاموها بدل الله بها خمسة أنهار من الصفر المذاب ليعذبوا بها ولكل عمل جزاء وفاق.

جزء : 5 رقم الصفحة : 69

﴿ويوم نبعث﴾ تكرير لما سبق تثنية للتهديد.

﴿فى كل أمة﴾ (ويادكن اي محمد روزيرا كه برانكيزانيم درميان هركروهى) ﴿شهيدا عليهم﴾ أي : نبيا ﴿من أنفسهم﴾ من جنسهم قطعا لمعذرتهم لأنه كان يبعث أنبياء الأمم فيهم منهم ولوط عليه السلام لما تأهل فيهم وسكن فيما بينهم كان منهم وفي قوله عليهم إشعار بأن شهادة أنبيائهم على الأمم تكون بمحضر منهم ﴿وجئنا بك﴾ (وبياريم ترا يا محمد) ﴿شهيدا على هاؤلاء﴾ الأمم وشهدائهم كقوله تعالى : ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمةا بشهيد وجئنا بك على هاؤلاء شهيدا﴾ (النساء : 41)

69

﴿ونزلنا عليك الكتاب﴾ الكامل في الكتابية الحقيق بأن يخص به اسم الجنس وهو القرآن العظيم ﴿تبيانا﴾ بيانا بليغا ﴿لكل شىء﴾ يتعلق بأمور الدين ومن ذلك أحوال الأمم مع أنبيائهم.

فإن قلت كيف هذا ومعلوم أن أكثر الأحكام غير مبنية في القرآن ولذلك اختلف العلماء فيها إلى قيام الساعة؟ قلت كونه تبيانا لكل شيء من أمور الدين باعتبار أن فيه نصا على بعضها وإحالة لبعضها على السنة حيث أمر باتباع النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته وقيل فيه ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ وحثا على الإجماع وقد رضي رسول الله لأمته باتباع أصحابه حيث قال : "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" وقد اجتهدوا وقاسوا ووطأوا طرق الاجتهاد فكانت السنة والإجماع والقياس مستندة إلى تبيان الكتاب ولم يضر ما في البعض من الخفاء في كونه تبيانا فإن المبالغة باعتبار الكمية دون الكيفية ﴿وهدى﴾ وكاملا في الهداية من الضلالة ﴿ورحمة﴾ للعالمين فإن حرمان الكفرة من مغانم آثاره من تفريطهم لا من جهة الكتاب ﴿وبشرى﴾ وبشارة بالجنة ﴿للمسلمين﴾ خاصة.

وفيه إشارة إلى أن في الكتاب بيان كل شيء يحتاج إليه السالك في أثناء السلوك والسير إلى الله إلى أن يصل إلى أقصى مقام الكمال المقدر للإنسان وهذا الكتاب هاد يهدي إلى الله عباده برحمته وبشارة لمن أسلم وجههوتابع النبي صلى الله عليه وسلم بالوصول إلى مقام الكمال وحضرة الجلال وكما أن المنزل عليه هو الرسول والبيان من لسانه يؤخذ لا من لسان غيره فكذا الملهم عليه هو وارث الرسول والإرشاد من تربية غيره فمن أسلم أي : استسلم وانقاد لتربية الوسائط ولم يتحرك بشيء من عند نفسه كالميت على يد الغسال فقد هدى إلى طريق التطهر عن الادناس النفسانية ووصل إلى درجات العارفين ، قال الحافظ :

جزء : 5 رقم الصفحة : 69

من بسر منزل عنقا نه بخود بردم راه

قطع اين مرحله بامرغ سليمان كردم

واعلم أن القرآن كاف لأهل الشريعة والحقيقة فمن مشى على ما صرح به وأشار فقد أمن من العثار ومن خرج عن العمل به واتبع نفسه وهواه فقد بعد عن الله وأسخط مولاه قال سهل بن عبد الله : أصول الدين على ركنين التمسك بكتاب الله والاقتداء بسنة رسول الله.

وعن أبي يزيد قدس سره ستة أشياء حصن الأعضاء السبعة : استعمال العلم ، وحسن الأدب ، ومحاسبة النفس ، وحفظ اللسان ، وكثرة العبادة ، ومتابعة السنة.

وقال جنيد البغدادي قدس سره : مذهبنا هذا مقيد بالكتاب والسنة.

وقال علي رضي الله عنه : الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٥ · الصفحة ٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٥ · ص ٥٣