تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿والله جعل لكم مما خلق﴾ من غير صنع من قبلكم ﴿ظلالا﴾ جمع ظل وهو ما يستظل به أي : أشياء تستظلون بها من الحر كالغمام والشجر والجبل وغيرها امتن سبحانه بذلك لما أن تلك الديار غالبة الحرارة ﴿وجعل لكم من الجبال أكنانا﴾ (وششها) جمع كن وهو ما يستكن فيه أي : مواضع تستكنون فيها من الكهوف والغيران والسروب.

قال عطاء : إنما أنزل القرآن على قدر معرفتهم ألا ترى أنه تعالى قال : ﴿وجعل لكم من الجبال أكنانا﴾ وما جعل من السهولة أعظم منه ولكنهم كانوا أصحاب جبال ﴿وجعل لكم سرابيل﴾ جمع سربال وهو كل ما يلبس أي : جعل لكم ثيابا من القطن والكتان والصوف وغيرها ﴿تقيكم الحر﴾ (نكاه ميدارد شمارا ازضرر كرما) ولم يذكر البرد لدلالته عليه لأنه نقيضه أو لأن وقايته هي الأهم عندهم لكون البرد يسيرا محتملا بخلاف الديار الرومية فإنها غالبة البرودة ولذا قيل : الحر يؤذي الرجل والبرد يقتله.

قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده أفندي قدس سره برد الربيع غير مضر لكن هذا في ديار العرب فإن في برد تلك الديار اعتدالا بخلاف ديارنا وفي الحديث "اغتنموا برد الربيع فإنه يعمل بأبدانكم كما يعمل بأشجاركم واجتنبوا برد الخريف فإنه يعمل بأبدانكم كما يعمل بأشجاركم" ، وفي "المثنوي" :

جزء : 5 رقم الصفحة : 66

آن خزان نزد خدا نفس وهواست

عقل وجان عين بهارست وبقاست

66

مر ترا عقلست جزؤى درنهان

كامل العقلي بجو اندر جهان

جزؤ تو از كل اوكلى شود

عقل كل بر نفس ون غلى شود

س بتأويل اين بود كانفاس اك

ون بهارست وحيات برك تاك

از حديث اوليا ترم ودرشت

تن موشان زانكه دينت راست شت

كرم كويد سرد كويد خوش بكير

تاز كرم وسرد بجهى وازسعير

كرم وسردش نوبهار زند كيست

ماية صدق ويقين بند كيست

زانكه زان بستان جانها زنده است

زين جواهر بحردل آكنده است

﴿وسرابيل﴾ ودروعا من الحديد ﴿تقيكم بأسكم﴾ أي : البأس والألم الذي يصل إلى بعضكم من بعض في الحرب من الضرب والطعن.

والبأس الشدة في الحرب والقتل والجراحة كما في "التبيان" وأول من عمل الدرع داود عليه السلام فإن الله تعالى ألان له الحديد كالشمع كما قال : ﴿وألنا له الحديد﴾ (سبأ : 10) وصحب لقمان داود شهورا وكان يسرد الدرع فلم يسأله عنها فلما أتمه لبسها وقال : نعم لبس الحرب أنت.

ولقمان ديد كاندر دست داود

همى آهن بمعجز مود كردد

نه رسيدش ه ميسازى كه دانست

كه بى ر سيدنش معلوم كردد

﴿كذالك﴾ كإتمام هذه النعم التي تقدمت ﴿يتم نعمته عليكم﴾ يا معشر قريش ﴿لعلكم تسلمون﴾ الإسلام ههنا بمعنى الاستسلام والانقياد وضع موضع سببه وهو تنظرون وتتفكرون أي إرادة أن تنظروا فيما أسبغ عليكم من النعم الظاهرة والباطنة والأنفسية والآفاقية فتعرفوا حق منعهما فتؤمنوا به وحده وتذروا ما كنتم به تشركون وتنقادوا لأمره.

﴿فإن تولوا﴾ فعل ماض أي : فإن أعرضوا عن الإسلام ولم يقبلوا منك ما ألقى إليهم من البينات والعبر والعظات وفي صيغة التفعل إشارة إلى أن الفطرة الأولى داعية إلى الإقبال على الله والإعراض لا يكون إلا بنوع تكلف ومعالجة ﴿فإنما عليك البلاغ المبين﴾ أي : فلا قصور من جهتك لأن وظيفتك هي البلاغ الموضح أو الواضح وقد فعلته بما لا مزيد عليه فهو من باب وضع السبب موضع المسبب عكس لعلكم تسلمون ، قال الشيخ سعدي قدس سره :

جزء : 5 رقم الصفحة : 66

ما نصيحت بجاى خود كرديم

روزكارى درين بسر برديم

كر نيايد بكوش رغبت كس

بر رسولان يام باشد وبس

وقال :

بكوى آنه دانى سخن سودمند

وكر هي كس را نيايد سند

كه فردا شيما بر آرد خروش

كه اوخ راحق نكردم بكوش

﴿يعرفون﴾ أي : بعض المشركين ﴿فكلوا مما﴾ المعدودة في هذه السورة ويعترفون أنها من الله ﴿ثم ينكرونها﴾ بأفعالهم حيث يعبدون غير منعمها أو بقولهم أنها بشفاعة آلهتنا أو بسبب كذا ومعنى ثم استبعاد الإنكار بعد حصول المعرفة ﴿وأكثرهم الكافرون﴾ أي : المنكرون بقلوبهم غير المعترفين بما ذكر.

وفي "التأويلات النجمية" :

67

﴿يعرفون نعمت الله﴾ بتعريفك ﴿وأكثرهم الكافرون﴾ بك وبنعمة الله إظهارا للقهر فمن وصل إليه النعمة من يد أحد فلا بد من الشكر فإنه الواسطة وإلا فقد تعرض لحرمان كثير من النعم الإلهية.

وبيابى تو نعمتي درند

خرد باشد ونقطه موهوم

شكر آن يافته فرو مكذار

كه زنا يافتة شوى محروم

قال السري السقطي قدس سره : الشكر على ثلاثة أوجه : شكر القلب ، وشكر البدن ، وشكر اللسان.

فشكر القلب أن يعرف العبد أن النعم كلها من الله تعالى.

وشكر البدن أن لا يستعمل جارحة من جوارحه إلا في طاعة الله.

وشكر اللسان دوام حمد الله.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٥ · الصفحة ٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٥ · ص ٥١