تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿والله جعل لكم منا بيوتكم﴾ المعهودة التي تبنونها من الحجر والمدر وهو تبيين لذلك المجعول المبهم في الجملة ﴿سكنا﴾ فعل بمعنى مفعول أي : موضعا تسكنون فيه وقت إقامتكم.

وبالفارسية (آرامكاهى).

قال في "الكواشي" : كل ما يسكن إليه أو فيه سكن بمعنى مسكن.

وفي "الواقعات المحمودية" للسلوك شروط ثلاثة : الزمان ، والمكان ، والأخوان.

أما الأولان فلأنه لا بد من خلو الزمان عن الفترة وكذا المكان.

وأما الأخوان فلتدارك حوائج السالك لئلا يتقيد بها فلا بد من الشرائط المذكورة لدوام السلوك واستمراره من غير انقطاع انتهى.

والظاهر أن المكان أقدم للسلوك ثم الزمان ثم الإخوان ثم صفاء الخاطر.

وفي "الأسرار المحمدية" : الغرض في المسكن دفع المطر والبرد وأقل الدرجات فيه معلوم وما زاد عليه فهو من الفضول والاقتصار على الأقل والأدنى يمكن في الديار الحارة أما في البلاد الباردة في غلبة البرد ونفوذه من الجدران الضعيفة حتى كاد يهلك أو قمرض فالبناء بالطين وأحكامه لا يخرجه عن حد الزاهدين وكذا في أيام الصيف عند اشتداد الحر واستضرار أولاده بالبيت الشتوي السفلي لعدم نفوذ الهواء البارد فيه ومن البراغيث في الليل والمزعجات عن النوم وأنواع الحشرات فيه فلا يجوز حملهم على الزهد بأن يتركهم على هذه الحال بل عليه أن يبنى لهم صيفيا علويا لما روينا عن النبي عليه الصلاة والسلام : "من بنى بنيانا في غير ظلم ولا اعتداء أو غرس غراسا في غير ظلم ولا اعتداء كان له أجرا جاريا ما انتفع به أحد من خلق الرحمن" انتهى.

وكتب بهلول على حائط من حيطان قصر عظيم بناه أخوه الخليفة هارون الرشيد يا هارون رفعت الطين ووضعت الدين رفعت الجص ووضعت النص إن كان من مالك فقد أسرفت إن الله لا يحب المسرفين وإن كان من مال غيرك ظلمت إن الله لا يحب الظالمين ﴿وجعل لكم من جلود الانعام﴾ (از وست هار ايان) جمع نعم بالفتح وهو مخصوص بالأنواع الأربعة التي هي الإبل والبقر والغنم والمعز ﴿بيوتا﴾

65

أخر مغايرة لبيوتكم المعهودة وهي الخيام والقباب والأخبية والفساطيط من الأنطاع والأدم.

﴿تستخفونها﴾ تجدونها خفيفة يخف عليكم نقضها وحملها ونقلها ﴿يوم ظعنكم﴾

جزء : 5 رقم الصفحة : 62

أي : وقت ترحلكم وسفركم ﴿ويوم إقامتكم﴾ وقت نزولكم في الضرب والبناء.

﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارهآ﴾ جمع صوف ووبر وشعر والكنايات راجعة إلى الأنعام أي : وجعل لكم من أصواف الضأن وأوبار الإبل وأشعار المعز ﴿أثاثا﴾ أي : متاع البيت مما يلبس ويفرش ﴿ومتاعا﴾ أي : شيئا يمتع به بفنون التمتع ﴿إلى حين﴾ إلى مدة من الزمان فإنها لصلابتها تبقى مدة مديدة.

قال الجاحظ : اتفقوا على أن الضأن أفضل من المعز بدليل الأضحية ويفضل المعز على الضأن لغزارة اللبن وثخانة الجلد وما نقص من ألية المعز يزيد في شحمه ولذلك قالوا زيادة المعز في بطنه ولما خلق الله جلد الضأن رقيقا غزر صوفه ولما خلق الله جلد المعز ثخينا قل شعره كذا في "حياة الحيوان" فالله تعالى خلق هذه الأنعام للانتفاع بجلودها ولحومها وأصوافها وأوبارها وأشعارها ولا يجوز الانتفاع بشحوم الميتة.

وعن جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح وهو بمكة : "إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام" فقيل : يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلي بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال : "لا هو حرام" والاستصباح (راغ فراكرفتن) وكما أن هذه الحيوانات وما يتبعها ينتفع بها الإنسان في سفره وحضره فكذا القوى الحيوانية والحواس الخمس ينتفع بها السالك في السير إلى الله فإنها مطية وفي وقت الوقفة للاستراحة والتربية فإنها مما لا بد منه لكونها من الأسباب المعينة ، قال الكمالي الخجندي :

باكرم روى واقف اين راه نين كفت

آهسته كه اين ره بدويدن نتوان يافت

جزء : 5 رقم الصفحة : 62

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٥ · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٥ · ص ٥٠