تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿ألم يروا إلى الطير﴾ تقرير لمن ينظر إليهن وتعجيب من شأنهن.

والطير جمع طائر أي : ألم ينظروا

63

إليها ليستدلوا بها على قدرة الله تعالى ﴿مسخرات﴾ مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المساعدة له.

وفيه مبالغة من حيث أن التسخير جعل الشيء منقادا للآخر يتصرف فيه كيف يشاء كتسخير البحر والفلك والدواب للإنسان والواقع هنا تسخير الهواء للطير لتطير فيه كيف تشاء فكان مقتضى طبيعة الطير السقوط فسخرها الله للطيران.

وفيه تنبيه على أن الطيران ليس بمقتضى طبع الطير بل ذلك بتسخير الله تعالى وكذا إحراق النار وإهلاك البرد ليسا بذاتهما بل بتأثير الله تعالى وعلى هذا ﴿فى جو السمآء﴾ في الهواء غير متباعد من الأرض وإضافته إلى السماء لما أنه في جانبها من الناظر.

قال في "القاموس" الجو الهواء ﴿ما يمسكهن﴾ في الجو عن السقوط حين قبض أجنحتهن وبسطها ووقوفهن ﴿إلا الله﴾ بقدرته الواسعة وتدبيره لهن من الريوش الكبار والصغار فإن ثقل جسدها ورقة قوام الهواء يقتضيان سقوطها ولا علاقة من فوقها ولا دعامة من تحتها تمسكها والهواء للطائر كالماء للسابح فهو يقبض يديه ويبسطها ولا يغرق مع ثقل جسده ورقة الماء وأعجب من ذلك وأدل فيه على القدرة الباهرة تعشيش بعض الطير في الهواء.

ومن أخبار الرشيد أنه خرج يوما للصيد فأرسل بازا أشهب فلم يزل يعلو حتى غاب في الهواء ثم رجع بعد اليأس منه ومعه سمكة فأحضر الرشيد العلماء وسألهم عن ذلك فقال مقاتل : يا أمير المؤمنين روينا عن جدك ابن عباس رضي الله عنهما أن الهواء معمور بأمم مختلفة الخلق فيه دواب بيض تفرخ فيه شيئا على هيئة السمك لها أجنحة ليست بذات ريش فأجاز مقاتلا على ذلك وأكرمه.

ومن ذلك الطير الأبابيل التي رمت أصحاب الفيل بحجارة من سجيل وهي الطير السود على هيئة الخطاطيف.

ومن ذلك ما يقال له بالفارسية (هما) فإنه من سكان الهواء يبيض ويفرخ فيه وليس له رجل وهو في جثة العقعق إلا أنه سكري اللون ويوجد جسده بعد وفاته في صحارى الهند.

ومن عجائب الطيور الرخ بالضم وهو طير في جزائر الصين يكون جناحه الواحد عشرة آلاف باع.

قال في "القاموس" : هو طائر كبير يحمل الكركدان انتهى.

وكان وصل إلى المغرب رجل من التجار ممن سافر في بحر الصين وألقتهم الريح إلى جزيرة عظيمة فخرج إليها أهل السفينة ليأخذوا الماء والحطب فرأوا قبة عظيمة أعلى من مائة ذراع لها لمعان وبريق فعجبوا منها فلما دنوا منها إذا هي بيضة الرخ فجعلوا يضربونها بالخشب والفؤوس والحجارة حتى انشقت عن فرخ كأنه جبل فتعلقوا بريش جناحه فجروه فنفض جناحه فبقيت هذه الريشة معهم خرج أصلها من جناحه ولم يكمل بعد خلقه فقتلوه وحملوا ما قدروا عليه من لحمه فلما طلعت الشمس إذ الرخ قد أقبل في الهواء كالسحابة العظيمة في رجله قطعة حجر كالبيت العظيم أكبر من السفينة فلما حاذى السفينة ألقى ذلك الحجر بسرعة فوقع الحجر في البحر وسبقت السفينة ونجاهم الله تعالى بفضله ورحمته كذا في "حياة الحيوان".

جزء : 5 رقم الصفحة : 62

﴿إن فى ذالك﴾ الذي ذكر من تسخير الطير للطيران بأن خلقها خلقة يمكن معها الطيران بأن جعل لها أجنحة خفيفة وأذنابا كذلك وخلق الجو بحيث يمكن الطيران فيه وإمساكها في الهواء على خلاف طباعها ﴿لايات﴾ (نشانها ظاهرست) ﴿لقوم يؤمنون﴾ أي : من شأنهم أن يؤمنوا وإنما

64

خص ذلك بهم لأنهم المنتفعون به حيث يطيرون في هواء المعرفة بجناح التفكر فيما ذكر ويصلون إلى وكر الكرامة.

فكر ازين خانه فرازت كشد

سوى سرا رده رازت كشد

وفي "المثنوي" :

كر بينى ميل خود سوى سبا

ر دولت بركشا همون هما

ورببيني ميل خود سوى زمين

نوحه ميكن هي منشين ازحنين

وفي الحديث : "كونوا في الدنيا أضيافا واتخذوا المساجد بيوتا وعودوا قلوبكم الرقة وأكثروا من التفكر والبكاء ولا يختلفن بكم الأهواء".

وعن محمد عبد الله أنه قال : الفكرة على خمسة أوجه : فكرة في آيات الله يتولد منها المعرفة.

وفكرة في آلاء الله ونعمائه يتولد منها المحبة.

وفكرة في وعد الله وثوابه يتولد منها الرغبة.

وفكرة في وعد الله وعقابه يتولد منها الرهبة.

وفكرة في جفاء النفوس بجنب إحسان الله إليها يتولد منها الحياء والندم.

وفي الآية إشارة إلى أن طير الأرواح مسخرة في جو سماء القلوب لا يمسكهن إلا الله لأن الأرواح علويات وإنما سكونها في سفل الأجساد بتسخير الله إياها كقوله : ﴿ونفخت فيه من روحى﴾ (الحجر : 429) وقوله : ﴿ثم رددناه أسفل سافلين﴾ (التين : 5) وهذا كسلطان نزل في خراب بحسب الاقتضاء وإلا فشأنه أعلى من ذلك وجاهه أرفع منه كما لا يخفى.

جزء : 5 رقم الصفحة : 62

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٥ · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٥ · ص ٤٩