جزء : 5 رقم الصفحة : 59
﴿والله﴾ تعالى وحده ﴿أخرجكم منا بطون أمهاتكم﴾ جمع الأم زيدت الهاء فيها كما زيدت في الإهراق من أراق ﴿لا تعلمون شياا﴾ أي : حال كونكم غير عالمين شيئا أصلا من أمور الدنيا والآخرة ولا مما كانت أرواحكم تعلم في عالم الأرواح ولا مما كانت ذراتكم تعلم من فهم خطاب ربكم إذ قال : ألست بربكم ولا مما علمت إذ قالت بالجواب بلى ولا مما تعلم الحيوانات حين ولادتها من طلب غذائها ومعرفة أمها والرجوع إليها والاهتداء إلى ضروعها وطريق تحصيل اللبن منها ومشيها خلفها وغير ذلك مما تعلم الحيوانات وتهتدي إليه ولا يعلم الطفل منه شيئا ولا يتهدى إليه قال الشيخ سعدي قدس سره :
مر غك از بيضه برون آيدوروزى طلبد
آدمي به ندارد خبر وعقل وتميز
جزء : 5 رقم الصفحة : 62
﴿وجعل لكم السمع﴾ قدمه على البصر لما أنه طريق تلقى الوحي ولذا ابتلي بعض الأنبياء بالعمى دون الصمم أو لأن إدراكه أقدم من إدراك البصر ألا ترى أن الوليد يتأخر انفتاح عينيه عن السمع وإفراده باعتبار كونه مصدرا في الأصل ﴿والابصار﴾ جمع بصر وهي محركة حس العين ﴿والافادة﴾ جمع فؤاد وهو وسط القلب وهو من القلب كالقلب من الصدر وهو من جموع القلة التي جرت مجرى جموع الكثرة.
قال في "بحر العلوم" : استعملت في هذه الآية وفي سائر آيات وردت فيها في الكثرة لأن الخطاب في جعل لكم وأنشأ لكم عام.
والمعنى جعل لكم هذه الأشياء آلات تحصلون بها العلم والمعرفة بأن تحسوا بمشاعركم جزئيات الأشياء وتدركون بأفئدتكم وتنتبهوا لما بينها من المشاركات والمباينات بتكرر الإحساس فيحصل لكم علوم بديعية تتمكنون بالنظر فيها من تحصيل العلوم الكسبية.
62
واعلم أن قوله : ﴿وجعل﴾ عطف على أخرجكم وليس فيه دلالة على تأخر الجعل المذكور عند الإخراج لما أن مدلول الواو هو الجمع مطلقا لا الترتيب على أن أثر ذلك الجعل لا يظهر قبل الإخراج كما في "الإرشاد".
والتحقيق أنتعالى صفات سبعا مرتبة وهي الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام وإذا قلب الكلام يصير كمالا فآخر الكمال الكلام كما أن أول الكمال الكلام لأن أول التعينات الإلهية هي الهوية الذاتية وآخرها الكلام مطلقا وعلى هذا يدور الأمر في المظهر الإنساني ألا ترى أن أول ما يبدو في الجنين حس السمع ثم البصر ثم الكلام ولذا حرم تزوج الحبلى من النكاح اتفاقا ومن الزنى اختلافا لما قال عليه السلام : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر لا يسقين ماءه زرع غيره".
فإن قيل فم الرحم منسد بالحبل فكيف يوجد سقي الزرع.
قلنا قد جاء في الخبر "إن سمع الحمل وبصره يزداد حده بالوطىء" فظهر أن آخر ما يظهر بعد الولادة هو الكلام ومقتضى مقام الامتنان أن هذه القوى إنما تظهر آثارها بعد الإخراج من بطون الأمهات وهذا لا ينافي حصولها قبله بالقوة القريبة من الفعل ﴿لعلكم تشكرون﴾ إرادة أن تشكروا هذه الآلات وشكرها استعمالها فيما خلقت لأجله من استماع كلام الله وأحاديث رسول الله وحكم أوليائه وما ليس فيه ارتكاب منهي ومن النظر إلى آيات الله والاستدلال بها على وجوده ووحدته وعلمه وقدرته فمن استعملها في غير ما خلقت له فقد كفر جلائل نعم الله تعالى وخان في أماناته ، قال الشيخ السعدي قدس سره :
جزء : 5 رقم الصفحة : 62
كذر كاه قرآن وندس كوش
به بهتان وباطل شنيدن مكوش
دوشم ازى صنع بارى نكوست
زعيب برادر فرو كيرو دوست
وقال الصائب :
ترابكو هردل كرده اند امانتدار
زدزد امانت حق را نكاهدار مخسب
وفي "التأويلات النجمية" : ﴿وجعل لكم السمع والابصار والافادة﴾ لأجسادكم كما جعل للحيوانات لتسمعوا بها وتبصروا وتفهموا ما يسمع الحيوان ويبصر ويفهم وجعل لأرواحكم سمعا تسمعون به ما تسمع الملائكة وبصرا تبصرون به ما تبصر الملائكة وفؤادا تفهمون به ما تفهم الملائكة وجعل لأسراركم سمعا تسمعون بالله وبصرا تبصرون بالله وفؤادا تعرفون بالله وهذه الحواس مستفادة من قوله تعالى : "كنت له سمعا وبصرا ولسانا فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق" ﴿لعلكم تشكرون﴾ بهذه الآلات نعم الله وأداء شكر نعم الله باستعمالها وصرفها في طلب الله وترك الالتفات إلى النعم بل للمنعم.
وفي الآية إشارة أخرى والله أخرجكم من بطون أمهاتكم أي : من العدم وهو الأم الحقيقي لا تعلمون شيئا قبل أن يعلمكم الله أسماء كل شيء وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة حين خاطبكم بقوله : ألست بربكم فتجلى لكم بروبوبيته فبنور سمعه أعطاكم لسانا تجيبونه بقولكم بلى لعلكم تشكرون فلا تسمعون بهذا السمع إلا كلامه ولا تبصرون بهذا البصر إلا جماله ولا تحبون بهذا الفؤاد إلا ذاته ولا تكلمون بهذا اللسان إلا معه.
جزء : 5 رقم الصفحة : 62