تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحكي أن بعض الملوك حمل إليه إنسان ماء فأراد الملك أن يعرف حاله فزوجه امرأة فأتاه منها ولد يفهم كلام أبويه فقيل للولد ما يقول أبوك : قال : يقول أذناب الحيوان كلها في أسفلها فما بال هؤلاء أذنابهم في وجوههم.

وذكروا أيضا بنات الماء ومناكحة الإنسان إياهن وتولد الأولاد منهن ﴿وجعل لكم من أزواجكم﴾ أي : جعل لكل منكم من زوجه لا من زوج غيره ﴿بنين﴾ (فرزندان) ﴿وحفدة﴾ جمع حافد وهو الذي يسرع في الخدمة والطاعة ومنه قول القانت : وإليك نسعى ونحفد أي : جعل لكم خدما يسرعون في خدمتكم وطاعتكم ويعينونكم كأولاد الأولاد ونحوهم.

يقول الفقير : حمل الحفدة على البنات كما فعله البعض بناء على أنهن يخدمنه في البيوت أتم خدمة ضعيف لأن الخطاب لكون السورة مكية مع المشركين وهم كانوا تسود وجوههم حين الاخبار بالبنات فلا يناسب مقام الامتنان حملها عليهن ﴿ورزقكم من الطيبات﴾ من اللذائذ كالعسل ونحوه ومن للتبعيض لأن كل الطيبات في الجنة وما طيبات الدنيا إلا أنموذج منها.

يقول الفقير المقصود الطيبات المنفهمة بحسب العرف وهي طيبات البلدة والناحية والإقليم لا الطيبات المشتملة عليها الدنيا والجنة فكل الطيبات مرزوق بها العباد ﴿أفبالباطل يؤمنون﴾ الفاء في المعنى داخلة على الفعل وهي للعطف على مقدر أي : أيكفرون بالله الذي شأنه هذا فيؤمنون بالباطل وهو أن الأصنام تنفعهم وأن البحائر ونحوها حرام ﴿والله جعل لكم من﴾ حيث يضيفونها إلى الأصنام أو المراد بالباطل الأصنام وما يفضي إلى الشرك وبنعمة الله الإسلام والقرآن وما فيه من التوحيد والأحكام.

والباطل عند أهل الحقيقة قسمان : باطل حقيقي وهو ما لا تحقق ولا وجود ولا ثبوت له بأن لم يقع التجلي الإلهي في عالمه أصلا وقسم باطل مجازي وهو التعينات الموجودة كلها أما بطلانه فلكونه عدما في نفسه "ألا كل شيء ما خلا الله باطل" وأما مجازيته فلكونه مجلى ومرآة للوجود الإضافي والحق المجازي والمؤمن بالباطل مطلقا كافر بالله تعالى.

58

سالك اك رو نخوانندش

آنكه از ما سوى منزه نيست

﴿ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والارض شياا﴾ الرزق مصدر وشيئا نصب على المفعولية منه والمراد من الموصول الآلهة أي : ما لا يقدر على أن يرزق منهم شيئا لا من السموات مطرا ولا من الأرض نباتا ﴿ولا يستطيعون﴾ أن يملكوه إذ لا استطاعة لهم أصلا لأنهم جماد.

جزء : 5 رقم الصفحة : 58

﴿فلا تضربوا لله الامثال﴾ أي : فلا تشبهوا الله بشيء من خلقه وتشركوا به فإن ضرب المثل تشبيه حال بحال وقصة بقصة والله تعالى واحد حقيقي لا شبه له أزلا وأبدا.

در تصور ذات اورا كنج كو

تادر آيد در تصور مثل او

قال في "الإرشاد" أي : لا تشبهوا بشأنه تعالى شأنا من الشؤون واللام مثلها في قوله تعالى : ﴿ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح﴾ (التحريم : 10) ﴿وضرب الله مثلا للذين ءامنوا امرأت فرعون﴾ (التحريم : 11) لا مثلها في قوله تعالى : ﴿واضرب لهم مثلا أصحاب القرية﴾ (يس : 13) ونظائره ﴿إن الله يعلم﴾ كنه ما تفعلون وعظمه وهو معاقبكم عليه بما يوازيه في العظم ﴿وأنتم لا تعلمون﴾ ذلك ولو علمتموه لما جرأتم عليه فالله تعالى هو العالم بالخطأ والصواب ومن خطأ الإنسان عبادته الدنيا والهوى وطلب المقاصد من المخلوقين وجعلهم أمثال الله وليس في الوجود مؤثر إلا الله تعالى فهو المقصود ومنه الوصول إليه.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم "إن الله احتجب عن البصائر كما احتجب عن الأبصار وأن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم" وذلك لأن الله تعالى ليس له زمان ولا مكان وإن كان الزمان والمكان مملوءين من نوره فأهل السماء والأرض في طلبه سواء.

وقال موسى عليه السلام : أين أجدك يا رب؟ قال : يا موسى إذا قصدت إلي فقد وصلت إلي أشار تعالى إلى أن القاصد واصل بغير زمان ومكان وإنما الكلام في القصد الوجداني الجمعي والميل الكلي لأن من طلب وجد وجد ومن قرع الباب ولج ولج والباب هو باب القلب فإن منه يدخل المرؤ بيت المعرفة الإلهية ثم يصل إلى صدر المشاهدة الربانية فيحصل الإنس والحضور والذوق والصفاء ويرتفع الهيبة والحيرة والوحشة والغفلة والكدر والجفاء اللهم اجعلنا من الواصلين آمين.

جزء : 5 رقم الصفحة : 59

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٥ · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٥ · ص ٤٥