الأعمال التي هي أركان الشريعة وقراءة القرآن والذكر باللسان مشرفة بإخلاص بالجنان ﴿فما الذين فضلوا﴾ أي : فليس الموالي الذين فضلوا في الرزق على المماليك ﴿برآدى رزقهم﴾ أي : بمعطى رزقهم الذي رزقهم إياه أصله رادين سقط النون للإضافة ﴿على ما ملكت أيمانهم﴾ على مماليكهم ﴿فيه﴾ في الرزق ﴿سوآء﴾ في الفاء دلالة على ترتب التساوي على الرد أي : لا يردون عليهم ردا مستتبعا للتساوي في التصرف والتشارك في التدبير وإنما يردون عليهم منه شيئا يسيرا والحاصل أنهم لا يجعلون ما رزقناهم من الأموال وغيرها شركة بينهم وبين مماليكهم بحيث لا يرضون بمساواة مماليكهم لأنفسهم وهم أمثالهم في البشرية والمخلوقية فما بالهم كيف جعلوا مماليكه تعالى ومخلوقه شركاء له مع كمال علوه فأين التراب ورب الأرباب.
وهذا كما ترى مثل ضرب لكمال قباحة ما فعله المشركون تقريعا عليهم وكانوا يقولون في التلبية لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك.
﴿أفبنعمة الله يجحدون﴾ الفاء للعطف على مقدر وهي داخلة في المعنى على الفعل والجحود الإنكار والباء لتضمينه معنى الكفر والمعنى أبعد علمهم بأن الرازق هو الله تعالى يشركون به فيجحدون نعمته فإن الإشراك يقتضي أن يضيفوا نعم الله الفائضة عليهم إلى شركائهم وينكروا كونها من عند الله تعالى فالله تعالى يدعو عباده بهذه الآية إلى التوحيد ونفى الشرك حتى يتخلصوا من الشرك والظلمات ويتشرفوا بالتوحيد الخالص والأنوار العاليات.
فعلى العبد الطاعة والسعي إلى تحصيل الرضوان والعرفان وإنما الرزق على المولى الكريم المنان.
ومن الكلمات التي نقلها كعب الأحبار عن التوراة "يا ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب وقسمت رزقك فلا تتعب وفي أكثر منه لا تطمع ومن أقل منه لا تجزع فإن أنت رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك وكنت عندي محمودا وإن كنت لم ترض به وعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البر ولا ينالك منها إلا ما قسمته لك وكنت عندي مذموما.
يا ابن آدم خلقت لك السموات والأرضين.
ولم أعي بخلقهن أيعييني رغيف أسوقه إليك من غير تعب.
يا ابن آدم أنا لك محب فبحبي عليك كن لي محبا.
يا ابن آم لا تطالبني برزق غد كما لا أطالبك بعمل غد فإني لم أنس من عصاني فكيف من أطاعني".
جزء : 5 رقم الصفحة : 50
واعلم أن عباد الله في باب الرزق على وجوه : منهم من جعل رزقه في الطلب فمن جعل رزقه في الطلب فعليه بكسب الحلال الطيب كعمل اليد مثلا ، ومنهم من جعل رزقه في القناعة وهي في اللغة الرضى بالقسمة وفي اصطلاح أهل الحقيقة هي السكون عند عدم المألوفات ، ومنهم من جعل رزقه في التوكل وهو الثقة بما عند الله واليأس مما في أيدي الناس ، ومنهم من جعل رزقه في المشاهدة والمجاهدة كما قال صلى الله عليه وسلم "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" وهو إشارة إلى المشاهدة وقال : "جعل رزقي تحت ظل رمحي" وهو إشارة إلى المجاهدة فعلى العاقل المجاهدة والعبادةتعالى خالصا لا لأجل تنعم النفس في الجنة والخلاص من النار فإنها معلولة والمعبود في الحقيقة هو الثواب والعقاب ولذا قال في "المثنوي" :
هشت جنت هفت دوزخ يش من
هست يدا هموبت يش وثن
57
جزء : 5 رقم الصفحة : 50
﴿والله﴾ تعالى وحده ﴿جعل لكم من أنفسكم﴾ من جنسكم ﴿أزواجا﴾ نساء لتأنسوا بها وتقيموا بذلك جميع مصالحكم ويكون أولادكم أمثالكم.
ومن هنا أخذ بعض العلماء أنه يمتنع أن يتزوج المرؤ امرأة من الجن إذ لا مجانسة بينهما فلا مناكحة وأكثرهم على إمكانه ويدل عليه أن أحد أبوي بلقيس كان جنيا.
قال ابن الكلبي كان أبوها من عظماء الملوك فتزوج امرأة من الجن يقال لها ريحانة بنت السكن فولدت له بلقيس وفيه حكايات أخر في "آكام المرجان".
فإن قيل : غلبة عنصر النار في الجن تمنع من أن تتكون النطفة الإنسانية في رحم الجنية لما فيها من الرطوبات فتضمحل ثمة لشدة الحرارة النيرانية وقس عليه نكاح الجنى الإنسية.
قلت : إنهم وإن خلقوا من نار فليسوا بباقين على عنصرهم الناري بل قداستحالوا عنه بالأكل والشرب والتوالد والتناسل كما استحال بنو آدم عن عنصرهم الترابي بذلك على أن الذي خلق من نار هو أبو الجن كما خلق آدم أبو الإنس من تراب وأما كل واحد من الجن غير أبيهم فليس مخلوقا من النار كما أن كل واحد من بني آدم ليس مخلوقا من تراب.
وذكروا أيضا جواز المناكحة بين الإنسان وإنسان الماء كما قال في "حياة الحيوان" أن في بحر الشام في بعض الأوقات من شكله شكل إنسان وله لحية بيضاء يسمونه شيخ البحر فإذا رآه الناس استبشروا بالخصب.
جزء : 5 رقم الصفحة : 58