وفيه تنبيه على أن تفاوت الآجال ليس إلا بتقدير قادر حكيم ركب أبنيتهم وعدل أمزجتهم على قدر معلوم ولو كان ذلك مقتضى الطبائع لما بلغ التفاوت هذا المبلغ.
قالوا : أسنان الإنسان سبعة أطوار : طور الطفولية إلى سبع سنين.
ثم الصبي إلى أربع عشرة سنة.
ثم الشباب إلى اثنتين وثلاثين سنة ، ثم الكهولة ، ثم الهرم إلى منتهى العمر.
وفي "الإرشاد" : ضبطوا مراتب العمر في أربع : الأولى سن النشو والنماء ، والثانية سن الوقوف وهي سن الشباب ، والثالثة سن الإنحطاط القليل وهي سن الكهولة ، والرابعة سن الانحطاط الكثير وهي سن الشيخوخة ولا عمر أسوأ حالا من عمر الهرم الذي يشبه الطفل في نقصان العقل والقوة وعند إخلاله لا يوجد له شفاء ولا يمنعه دواء وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو "أعوذ بك من البخل والكسل وأرذل العمر وعذاب القبر وفتنة الدجال وفتنة المحيا والممات".
قال بعضهم : حكم الهرم إنما يظهر في حق الكافر لأن المسلم يزداد عقله لصلاحه في طول عمره كرامة له وفي الحديث "من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر" وكذا من يتدبره ويعمل به كما في "تفسير العيون".
يقول الفقير : لا شك أنا الجنون والعته ونحوهما من صفات النقصان فالله تعالى لا يبتلي كامل الإنسان أنبياء وأولياء فالمراد بقولهم : إن العلماء لا يعرض لهم العته وإن بلغوا إلى أرذل العمر علماء الآخرة والعلماء بالله لا مطلق العلماء كما لا يخفى إذ قد شاهدنا من علماء زماننا من صار حاله إلى حال الطفولية ثم إن أرذل العمر وإن كان أشد الأزمان وأصعبها لكنه أوان المغفرة ورفعة الدرجة وفي الحديث : "إذا بلغ المرء ثمانين سنة أثبتت حسناته ومحيت سيآته وإذا بلغ تسعين سنة غفر الله
55
ذنبه ما تقدم منه وما تأخر وكان أسير الله في الأرض وشفيعا لأهل بيته يوم القيامة".
جزء : 5 رقم الصفحة : 50
روي أن رجلا قال للنبي عليه الصلاة والسلام : أصابني فقر فقال : "لعلك مشيت أمام شيخ" وأول من شاب من ولد آدم إبراهيم عليها لسلام فقال : يا رب ما هذا؟ قال : هذا نوري فقال : رب زدني من نورك ووقارك وكان الرجل في القرون الأولى لا يحتلم حتى يأتي عليه ثمانون سنة.
وعن وهب أن أصغر من مات من ولد آدم ابن مائتي سنة.
قال بعض المشايخ : هذه الأمة وإن كانت أعمارهم قصارا قليلة لكن أمدادهم كثيرة وهم ينالون في زمن قصير ما ناله الأقدمون في مدة طويلة من المرتبة وهذا فضل من الله تعالى.
قال حكيم : إن خير نصفي عمر الرجل آخره يذهب جهله ويثوب حلمه ويجتمع رأيه وشر نصفي عمر المرأة آخره يسوء خلقها ويحد لسانها ويعقم رحمها وفي الحديث "خير شبابكم من تشبه بكهولكم وشر كهولكم من تشبه بشبابكم".
يقول الفقير : هذا يشمل التشبه بأنواعه في الأقوال والأحوال والأفعال والقيام والقعود واللباس ونحوها فالصوفي شيخ في المعنى لأن مراده الفناء عن الأوصاف كلها فينبغي له أن يلبس لباس الكهول وإن كان شابا وفي الحديث : "من أتى عليه أربعون سنة ثم لم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار".
قال يحيى بن معاذ رحمه الله : مقدار عمرك في جنب عيش الآخرة كنفس واحد فإذا ضيعت نفسك فخسرت الأبد إنك لمن الخاسرين.
وفي الآية إشارة إلى الفناء والبقاء فالمتوفى هو الفاني عن إثبات وجوده والمردود هو الباقي بوجود موجد وجوده وقوله : ﴿لكى لا يعلم بعد علم شيئا﴾ أي : ليكون عاقبة أمره أن لا يعلم بعد فناء علمه شيئا بعلمه بل يعلم بربه الأشياء كما هي كما في "التأويلات النجمية".
﴿والله﴾ تعالى وحده ﴿فضل بعضكم على بعض فى الرزق﴾ أي : جعلكم متفاوتين فيه فمنكم غني ومنكم فقير ومنكم مالك ومنكم مملوك.
والرزق ما يسوقه الله تعالى إلى الحيوان من المطعومات والمشروبات.
وفيه تنبيه على أن غنى المكثر ليس من كياسته ووفور عقله وكثرة سعيه ولا فقر المقل من بلادته ونقصان عقله وقلة سعيه بل من الله تعالى ليس إلا :
كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه
وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
قال الحافظ :
سكندر را نمى بخشند آبى
بزور وزر ميسر نيست اين كار
قال ابن الشيخ : وهذا التفاوت غير مختص بالمال بل هو واقع في الذكاء والبلادة والرشد والدناءة والحسن والقباحة والصحة والسقامة وغير ذلك :
جزء : 5 رقم الصفحة : 50
كنج زر كرنبود كنج قناعت باقيست
آنكه آن داد بشاهان بكدايان اين داد
وفي "التأويلات النجمية" : فضل الله الأرواح على القلوب في رزق المكاشفات والمشاهدات بعد الفناء والرد إلى البقاء.
وفضل القلوب على النفوس في رزق الزهد والورع والتقوى والصدق واليقين والإيمان والتوكل والتسليم والرضى.
وفضل النفوس على الأبدان في رزق التزكية ومقاساة شدائد المجاهدات والصبر على المصائب والبلايا وحمل أعباء الشريعة بإشارات الطريقة وتبديل الأخلاق الذميمة بالحميدة وفضل أبدان المؤمنين على أبدان الكافرين في رزق
56