تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال في "التأويلات النجمية" : في الآية إشارة إلى أن تصرف كل حيوان في الأشياء مع كثرتها واختلاف أنواعها إنما هو بتعريف الله تعالى إياه وإلهامه على قانون حكمته وإرادته القديمة لا من طبعه وهواه.

وإنما خص النحل بالوحي وهو الإلهام والرشد من بين سائر الحيوانات لأنها أشبه شيء بالإنسان لا سيما بأهل السلوك فإن من دأبهم وهجيراهم أن يتخذوا من الجبال بيوتا اعتزالا عن الخلق وتبتلا إلى الله تعالى كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان يتحنث إلى حراء أسبوعا وأسبوعين وشهزا وأن من شأنهم النظافة في الموضع والملبوس والمأكول كذلك النحل من نظافتها تضع ما في بطنها على الحجر الصافي أو على خشب نظيف لئلا يخالطه طين أو تراب ولا تقعد على جيفة ولا على نجاسة احترازا عن التلوث كما يحترز الإنسان عنه وثمرات البدن الأعمال الصالحة وثمرات النفوس الرياضات والمجاهدات ومخالفات الهوى وثمرات القلوب ترك الدنيا وطلب العقبى والتوجه إلى حضرة المولى وثمرات الأسرار شواهد الحق والتطلع على الغيوب والتقرب إلى الله فهذه كلها أغذية الأرواح والله تعالى قال للنحل ﴿كلى من كل الثمرات﴾ وقال مثله للسالكين ﴿كلوا من الطيبات واعملوا صالحا﴾ (المؤمنون : 51) ﴿والله﴾ المحيط بكل شيء علما وقدرة ﴿خلقكم﴾ أوجدكم وأخرجكم من العدم إلى الوجود.

وبالفارسية (ازظلمت آبادنا بود بصحراى انوار وجود آورد) ﴿ثم يتوفاكم﴾ أي : يقبض أرواحكم على اختلاف الأسنان صبيانا وشبانا وكهولا فلا يقدر الصغير على أن يؤخر ولا الكبير على أن يقدم فمنكم من يموت حال قوته ﴿ومنكم من يرد﴾ قبل توفيه أي : يعاد ﴿إلى أرذل العمر﴾ أخسه وأحقره وهوا لهرم والخرف الذي يعود فيه كهيئته الأولى في أوان طفوليته ضعيف البنية ناقص القوة والعقل قليل الفهم وليس له حد معلوم في الحقيقة لأنه رب ابن ستين انتهى إلى أرذل

54

العمر ورب ابن مائة لم يرد إليه.

وقال قتادة : إذا بلغ تسعين سنة يتعطل عن العمل والتصرف والاكتساب والحج والغزو ونحوها ولذا دعا محمد بن علي الواسطي لنفسه فقال :

يا رب لا تحيني إلى زمن

جزء : 5 رقم الصفحة : 50

أكون فيه كلا على أحد

خذ بيدي قبل أن أقول لمن

ألقاه عند القيام خذ بيدي

وسأل الحجاج شيخا كيف طعمك؟ قال : إذا أكلت ثقلت وإذا تركت ضعفت فقال : كيف نومك؟ قال : أنام في المجمع وأسهر في المهجع فقال : كيف قيامك وقعودك؟ قال : إذا قعدت تباعدت عني الأرض وإذا قمت لزمتني فقال : كيف مشيك؟ قال : تعقلني الشعرة وتعثرني البعرة ﴿لكى لا يعلم بعد علم شيئا﴾ ليصير إلى حالة شبيهة بحال الطفولية في سوء الفهم والنسيان وأن يعلم شيئا ثم يسرع في نسيانه فلا يعلمه إن سئل عنه فمؤدى الكلام لينسى ما يعلم وهو يستلزم أن لا يعلم زيادة علم على علمه لأنه إذا كان حاله بحيث ينسى ما علم فكيف يزيد علمه واللام في لكي هي لام كي دخلت على كي للتأكيد وهي متعلقة بيرد.

وقال بعضهم : اللام جارة وكي حرف مصدري كأن وشيئا مفعول لا يعلم.

﴿إن الله عليم﴾ بمقادير أعماركم.

قال الكاشفي : (داناست وجهل بردانايى او طارى نشود).

﴿قدير﴾ (تواناست وعجز برتوانايى اوراه نيايد) أي : قدير على كل شيء يميت الشاب النشيط ويبقى الهرم الفاني ، قال الشيخ سعدي قدس سره :

اى بسا است تيزروكه بماند

كه خرلنك جان بمنزل برد

س كه درخاك تن درستانرا

دفن كردند وزخم خورده نمرد

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٥ · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٥ · ص ٤٢