وللعسل أسماء كثيرة.
منها الحافظ الأمين لأنه يحفظ ما يودع فيه فيحفظ الميت أبدا واللحم ثلاثة أشهر والفاكهة ستة أشهر وكل ما أسرع إليه الفساد إذا وضع في العسل طالت مدة مقامه وكان عليه السلام يحب الحلواء والعسل.
قال العلماء : المراد بالحلواء ههنا كل حلو وذكر العسل بعدها تنبيها على شرفه ومزيته وهو من باب ذكر الخاص بعد العام وفيه جواز أكل لذيذ الأطعمة والطيبات من الرزق وأن ذلك لا ينافي الزهد والمراقبة لا سيما إذا حصل إنفاق وفي الحديث "أول نعمة ترفع من الأرض العسل".
وقال علي رضي الله عنه : إنما الدنيا ستة أشياء : مطعوم ومشروب وملبوس ومركوب ومنكوح ومشموم.
فأشرف المطعومات العسل وهو مذقة ذباب.
وأشرف المشروبات الماء يستوي فيه البر والفاجر.
وأشرف الملبوسات الحرير وهو نسج دودة.
وأشرف المركوبات الفرس وعليه يقتل الرجال.
وأشرف المشمومات المسك وهو دم حيوان.
وأشرف المنكوحات المرأة وهي مبال في مبال ﴿مختلف ألوانه﴾ من أبيض وأخضر وأصفر وأسود بسبب اختلاف سن النحل فالأبيض يلقيه شباب النحل والأصفر كهولها والأحمر شيبها وقد يكون الاختلاف بسبب اختلاف لون النور.
قال حكيم يونان لتلامذته كونوا كالنحل في الخلايا وهي بيوتها قالوا : وكيف النحل في خلاياها؟ قال : إنها لا تترك عندها بطالا إلا نفته واقصته عن الخلية لأنه يضيق المكان ويفنى العسل وإنما يعمل النشيط لا الكسل.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما مثل المؤمن كالنحلة تأكل طيبا وتصنع طيبا ووجه المشابهة بينهما حذق النحل وفطنته وقلة أذاه ومنفعته وتنزهه عن الأقذار وطيب أكله وأنه لا يأكل من كسب غيره وطاعته وأن للنحل آفات تقطعه عن عمله منها الظلمة والغيم والريح والدخان والماء والنار وكذلك المؤمن له آفات تغيره عن عمله ظلمة الغفلة وغيم الشك وريح الفتنة ودخان الحرام وماء السفه ونار الجوى ﴿فيه﴾ أي : في الشراب وهو العسل ﴿شفآء للناس﴾ أي : شفاء الأوجاع التي يعرف شفاؤها منه يعني أنه من جملة الأشفية المشهورة النافعة لأمراض الناس وليس المراد أنه شفاء لكل مرض كما قال في "حياة الحيوان" ، قوله : ﴿فيه شفآء للناس﴾ لا يقتضي العموم لكل علة وفي كل إنسان لأنه نكرة في سياق الإثبات بل المراد أنه يشفي كما يشفي غيره من الأدوية في حال دون حال وكان ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم يحملانه على العموم.
جزء : 5 رقم الصفحة : 50
قال البيضاوي : ﴿فيه شفآء للناس﴾ إما بنفسه كما في الأمراض البلغمية أو مع غيره كما في سائر
52
الأمراض إذ قلما يكون معجون إلا والعسل جزؤ منه وأما السكر فمختص به بعض البلاد وهو محدث ولم يكن فيما تقدم من الأزمان يجعل في الأشربة والأدوية إلا العسل.
روي أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن أخي قد اشتكى بطنه فقال : "اسقه عسلا" فسقاه عسلا فما زاده إلا استطلاقا فعاد إلى النبي عليه الصلاة والسلام فذكر له ذلك فقال : "اسقه عسلا" فسقاه ثانيا فما زاده إلا استطلاقا ثم رجع فقال : يا رسول الله سقيته فما نفع فقال : "اذهب فاسقه عسلا فقد صدق الله وكذب بطن أخيك" فسقاه فشفاه الله فبرىء كأنما انشط من عقال وفي الحديث "إن الله جعل الشفاء في أربعة الحبة السوداء والحجامة والعسل وماء السماء" وجاء رجل إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وشكا له سوء الحفظ فقال : أترجع إلى أهل قال : نعم فقال : قل لها تعطيك من مهرها درهمين عن طيب نفس فاشتر بهما لبنا وعسلا واشربهما مع شربة من ماء المطر على الريق ترزق حفظا.
فسئل الحسن بن الفضل عن هذا فقال : أخذه من قوله تعالى : ﴿ونزلنا من السمآء مآء مباركا﴾ (ق : 9) وفي اللبن ﴿خالصا سآااغا للشاربين﴾ (النحل : 66) وفي العسل ﴿فيه شفآء للناس﴾ (النحل : 69) وفي المهر ﴿فكلوه هنيااا مريااا﴾ (النساء : 4) فإذا اجتمعت البركة والشفاء والهنيىء والمريء والخالص السائغ فلا عجب أن ينفع.