﴿ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون﴾ أي : يثبتون له سبحانه وينسبون إليه في زعمهم ﴿ما يكرهون﴾ لأنفسهم من البنات ومن الشرك في الرياسة مع ذلك ﴿تصف﴾ تقول ﴿ألسنتهم الكذب﴾ مفعول تصف وهو ﴿أن لهم الحسنى﴾ بدل الكل من الكذب أي : العاقبة الحسنى عند الله وهي الجنة إن كان البعث حقا كقوله تعالى : ﴿ولاان رجعت إلى ربى إن لى عنده للحسنى﴾ (فصلت : 50) فلا ينافي قولهم لا يبعث الله من يموت فإنه يكفي في صحته الفرض والتقدير.
وعن بعضهم أنه قال لرجل من الأغنياء : كيف تكون يوم القيامة إذا قال الله هاتوا ما دفع إلى السلاطين وأعوانهم فيؤتى بالدواب والثياب وأنواع الأموال الفاخرة وإذا قال ما دفع إلي فيؤتى بالكسر والخرق وما لا مؤونة له أما تستحي من ذلك الموقف وقرأ هذه الآية ﴿لا جرم﴾ رد لكلامهم ذلك وإثبات لنقيضه وهو مصدر بمعنى حقا.
وبالفارسية (حق نين است كه فردا قيامت) ﴿أن لهم﴾ مكان ما أملوا من الحسنى ﴿النار﴾ التي ليس وراءها عذاب وهي علم في السوء ﴿وأنهم مفرطون﴾ أي : مقدمون إلى النار معجلون إليها من أفرطته إذا قدمته في طلب الماء أو منسيون متركون في النار من أفرطت فلانا خلفي إذا خلفته ونسيته خلفك ثم سلى رسوله عما يناله من جهالات الكفرة ليصبر على أذاهم فقال :
جزء : 5 رقم الصفحة : 45
﴿تالله لقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك﴾ أي : رسلا إلى من تقدمك من الأمم فدعوهم إلى الحق فلم يجيبوا إلى ذلك.
﴿فزين لهم الشيطان أعمالهم﴾ القبيحة من الكفر والتكذيب بالرسل فعكفوا عليها مصرين.
﴿فهو﴾ أي الشيطان ﴿وليهم﴾ أي : قرينهم وبئس القرين ﴿اليوم﴾ أي : يوم زين لهم الشيطان أعمالهم فيه على طريقة حكاية الحال الماضية أو في الدنيا تولى إضلالهم بالغرور فجعل اليوم عبارة عن زمان الدنيا ويوم القيامة وهو عاجز عن نصر نفسه فكيف ينصر غيره فهذه حكاية حال آتية أي : في حال كونهم معذبين في النار والولي بمعنى الناصر.
يقول الفقير الظاهر أن المراد باليوم يوم النبي صلى الله عليه وسلم وعصره وبالضمير في وليهم أعقابهم وأنسابهم من الكفرة المعاصرين والله أعلم.
﴿ولهم﴾ في الآخرة ﴿عذاب أليم﴾ هو عذاب النار.
﴿ومآ أنزلنا عليك الكتاب﴾ أي : القرآن لعلة من العلل ﴿إلا لتبين لهم﴾ أي : للناس ﴿الذى اختلفوا فيه﴾ من التوحيد وأحوال المعاد والحلال والحرام والمراد بالمختلفين المؤمنون والكافرون كما في "الكواشي" ﴿وهدى ورحمة﴾ معطوفان على محل لتبين وانتصابهما لأنهما فعلا الذي أنزل الكتاب بخلاف التبيين فإنه فعل المخاطب لا فعل المنزل أي : وللهداية من الضلالة والرحمة من العذاب ﴿لقوم يؤمنون﴾ وتخصيصهم لأنهم المنتفعون بالقرآن.
قال سهل بن عبد الله : لا يتصل أحد بالله حتى يتصل بالقرآن ولا يتصل بالقرآن حتى يتصل بالرسول ولا يتصل بالرسول حتى يتصل بالأركان التي قام بها الإسلام.
وحكي عن مالك بن دينار أنه قال : يا حملة القرآن ماذا زرع القرآن
46
في قلوبكم فإن القرآن ربيع المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض.
وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إنها ستكون فتنة" قلت : ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال : "كتاب الله فيه نبأ ما كان قبلكم وخبر ما كان بعدكم وحكم ما بينكم وهو العلم وهو الفصل وليس بالهزل لا تشبع منها لعلماء وهو حبل الله المتين والذكر الحكيم والصراط المستقيم من قال به صدق ومن حكم به عدل ومن عمل به أجر ومن دعا إليه فقد هدى إلى صراط مستقيم".
ثم إن تبيين أحكام القرآن للعامة وحقائقه للخاصة ، إنما هو لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالأصالة والاستقلال ولورثته بعده قرنا بعد قرن بالفرعية ، والتبعية.
فعلماء الظواهر يخلصون الناس من الاختلاف فيما يتعلق بالظواهر بالبيان الصريح.
وعلماء البواطن يخلصونهم من الاختلاف فيما يتعلق بالبواطن بالكشف الصحيح ولكل منهم مشرب لا يخيب وارده وهم أساطير الدين وسلاطين المسلمين.
جزء : 5 رقم الصفحة : 45
واعلم أن الاتعاظ بالمواعظ القرآنية يدخل العبد في السعادة الباقية ويخلصه من الحظوظ النفسانية.
حكي أن إبراهيم بن أدهم سر ذات يوم بمملكته ونعمته ثم نام فرأى رجلا أعطاه كتابا فإذا فيه مكتوب لا تؤثر الفاني على الباقي ولا تغتر بملكك فإن الذي أنت فيه جسيم لولا أنه عديم فسارع إلى أمر الله فإنه يقول : ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة﴾ (آل عمران : 133) فانتبه فزعا وقال : هذا تنبيه من الله تعالى وموعظة وهدى ورحمة فتاب إلى الله واشتغل بالطاعة ، قال المولى الجامي قدس سره :