تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال في "التأويلات النجمية" : معنى ﴿يخافون ربهم﴾ أي : يأتيهم العذاب ﴿من فوقهم﴾ إن عصوه ﴿ويفعلون ما يؤمرون﴾ أي : ما يأمرهم الخالق من الطاعات والتدبيرات من غير تثاقل عنه وتوان فيه وفيه أن الملائكة مكلفون مدارون على الأمر والنهي والوعد والوعيد وبين الخوف والرجاء وفي الحديث "إنملائكة في السماء السابعة سجد منذ خلقهم الله إلى يوم القيامة ترعد فرائصهم من مخافة الله فإذا كان يوم القيامة رفعوا رؤوسهم وقالوا ما عبدناك حق عبادك" كذا في "تفسير أبي الليث".

جزء : 5 رقم الصفحة : 36

ويقال من لسان الإشارة أن الأمطار والمياه دموع الملائكة والأرض فهم يخافون الله تعالى بقدر ما وسعهم من معرفة جلاله فما بال الإنسان يمشي آمنا ضاحكا مع سوء حاله والله الهادي.

جزء : 5 رقم الصفحة : 36

﴿وقال الله﴾ لجميع المكلفين ﴿لا تتخذوا إلاهين اثنين﴾ تأكيد ﴿إنما هو إلاه واحد﴾ لا شريك له ولا شبيه :

از همه در صفات ذات خدا

ليس شيء كمثله أبدا

﴿فإياي﴾ لا غيري ﴿فارهبون﴾ .

خافون ﴿وله الدين﴾ أي : الطاعة والانقياد من كل شيء من السموات والأرض وما بينهما ﴿واصبا﴾ حال من الدين أي : واجبا ثابتا لا زوال له لأنه الاله وحده الواجب أن يرهب منه يقال وصب يصب وصوبا أي : دام وثبت.

﴿أفغير الله تتقون﴾ الهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر أي : أبعد العلم بما ذكر من التوحيد واختصاص الكل به خلقا وملكا غير الله تطيعون فتتقون.

﴿وما بكم﴾ أي : أي شيء يلابسكم ويصاحبكم ﴿من نعمة﴾ أي : نعمة كانت كالغني وصحة الجسم والخصب ونحوها ﴿فمن الله﴾ فهي من قبل الله فما شرطية أو موصولة متضمنة لمعنى الشرط باعتبار الاخبار دون الحصول فإن ملابسة النعمة بهم سبب للأخبار بأنها منه تعالى لا لحصولها منه ﴿ثم إذا مسكم الضر﴾ أي : الفقر والبلاء في جسدكم والقحط ونحوها مساسا يسيرا.

﴿وما بكم﴾ تتضرعون في كشفه لا إلى غيره.

والجؤار رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة.

جزء : 5 رقم الصفحة : 42

﴿ثم إذا كشف الضر عنكم إذا﴾ (ناكاه) ﴿فريق منكم﴾ وهم كفاركم ﴿بربهم يشركون﴾ .

﴿ليكفروا﴾ بعبادة غيره ﴿ليكفروا بمآ﴾ من نعمة الكشف عنهم كأنهم جعلوا غرضهم في الشرك كفران النعمة ففي اللام استعارة تبعية وقوله ليكفروا من الكفران وقيل اللام لام العاقبة ﴿فتمتعوا﴾ بقية آجالكم أي : فعيشوا وانتفعوا بمتاع الحياة الدنيا أياما قليلة وهو أمر تهديد ﴿فسوف تعلمون﴾ عاقبة أمركم وما ينزل بكم من العذاب.

وفي الآيات إشارات : منها أن أكثر الخلق اتخذوا مع الله إلها آخر وهو الهوى وهو ما يميل إليه الطبع وتهواه النفس بمجرد الاشتهاء من غير سند مقبول ودليل معقول قال تعالى : ﴿أفرءيت من اتخذ إلاهه هوااه﴾ فلهذا قال : ﴿إلاهين﴾ وما قال آلهة لأنه ما عبد إلها آخر إلا بالهوى ولذلك قال صلى الله عليه وسلم "ما عبد إله

42

أبغض على الله من الهوى" فقال : ﴿إنما هو إلاه واحد﴾ أي : الذي خلق الهوى وسائر الآلهة ﴿فإياي فارهبون﴾ فإني أنا الذي يستحق أن يرغب إليه ويرهب منه لا الهوى والآلهة فإنهم لا يقدرون على نفع ولا ضر.

وعن بعضهم قال : انكسرت بنا السفينة وبقيت أنا وامرأتي على لوح وقد ولدت في تلك الحالة صبية فصاحت بي وقالت : يقتلني العطش فقلت : هوذا يرى حالنا فرفعت رأسي فإذا رجل في الهواء جالس وفي يده سلسلة من ذهب فيها كوز من ياقوت أحمر فقال : هاك اشربا فأخذت الكوز وشربنا منه فإذا هو أطيب رائحة من المسك وأبرد من الثلج وأحلى من العسل فقلت : من أنت؟ يرحمك الله فقال : عبد لمولاك فقلت : بم وصلت إلى هذا؟ قال : تركت الهوى لمرضاته فاجلسني على الهواء ثم غاب عني فلم أره رضي الله عنه.

ومن الإشارات أن كاشف الضر هو الله تعالى فمن أراد كشفه عن الأسباب لا عن المسبب فقد أشرك ألا ترى أن وكيل السلطان إذا قضى لك حاجة فأنت وإن كنت شاكرا لفعله ولكن إنما تدعو في الحقيقة للسلطان حيث قلد العمل لمثل هذا فحاجتك إنما قضيت في الحقيقة من قبل السلطان من حيث أن فعل هذا خلف حجاب الأسباب لا بالأسباب فافهم.

ومنها أن الكفران سبب لزوال النعمة ، وفي "المثنوي" :

جزء : 5 رقم الصفحة : 42

باشد آن كفران نعمت در مثال

كه كنى با محسن خود توجدال

كه نمى آيد مرا اين نيكوئى

من بر نجم زين ه رنجه ميشوى

لطف كن اين نيكو ئى رادور كن

من نخواهم عاقبت رنجور كن

نسأل الله العصمة من الكفار وعذابه.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٥ · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٥ · ص ٣٢