تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والإشارة أن المخلوقات على نوعين.

منها ما خلق من شيء كعالم الخلق وهو عالم الأجسام.

ومنها ما خلق من غير شيء كعالم الأمر وهو عالم الأرواح كما قال تعالى : ﴿خلقتك من قبل ولم تك شياا﴾ (مريم : 9) يعني خلقت روحك من قبل خلق جسدك ومنه قوله عليه السلام "إن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي ألف عام" كذا في "التأويلات النجمية" ﴿سجدا﴾ أي : حال كون تلك الظلال ساجديندائرين على مراد الله في الامتداد والتقلص وغيرهما غير ممتنعة عليه فيما سخرها له في التفيىء ﴿وهم داخرون﴾ يقال : دخر كمنع وفرح دخورا ودخرا صغر وذل وادخره كما في "القاموس" وهو حال من الضمير في ظلاله والجمع باعتبار المعنى إذ المراد ظلال كل شيء وإيراد صيغة الخاصة بالعقلاء لأن الدخور من خصائصهم أو لأن من جملة ذلك من يعقل

40

فغلب.

والمعنى ترجع الظلال من جانب إلى جانب بارتفاع الشمس وانحدارها منقادة لما قدر لها من التفيىء والحال أن أصحابها من الأجرام داخرة أي : صاغرة منقادة لحكمه تعالى ووصفها بالدخور مغن عن وصف ظلالها به وبعدما بين سجود الظلال من الأجرام السفلية الثابتة في أحيازها ودخورها له سبحانه شرع في بيان سجود المخلوقات المتحركة بالإرادة سواء كانت لها ظلال أم لا فقيل : ﴿يسجد﴾ أي : له تعالى وحده ويخضع وينقاد لا لشيء غيره استقلالا واشتراكا فالقصر ينتظم القلب والإفراد ﴿ما في السماوات﴾ من العلويات قاطبة ودخل فيه الشمس والقمر والنجوم ﴿وما فى الأرض﴾ كائنا ما كان ﴿من دآبة﴾ بيان لما في الأرض فإن قوله تعالى : ﴿والله خلق كل دآبة من مآء﴾ يدل على اختصاص الدابة بما في الأرض لأن ما في السماء لا يخلق بطريق التولد وليس لهم دبيب بل لهم أجنحة يطيرون بها.

يقول الفقير : الظاهر أن الطيران لا ينافي الدبيب وقد نقل أن في السماء خلقا يدبون ودبيبه لا يستلزم كونه مخلوقا من الماء المعهود إذ من الماء كل شيء حي فيكون من دابة بيانا لما في السماء والأرض وما عام للعقلاء وغيرهم.

وفي "الأسئلة المقحمة" أن ما لا يعقل أكثر عددا ممن يعقل فغلب جانب ما لا يعقل لأنه أكثر عددا ﴿والملائكة﴾ عطف على ما في السموات عطف جبريل على الملائكة تعظيما وإجلالا ﴿وهم﴾ أي : والحال أن الملائكة مع علو شأنهم ﴿لا يستكبرون﴾ لا يتعظمون عن عبادته والسجود له بل يتذللون فكل شيء بين يدي صانعه ساجد بسجود يلائم حاله كما أن كل شيء يسبح بحمده تسبيحا يلائم حاله فتسبيح بعضهم بلسان القال وتسبيح بعضهم بلسان الحال والله يعلم لسان حالهم كما يعلم لسان قالهم ، وفي "المثنوي" :

جزء : 5 رقم الصفحة : 36

ون مسبح كرده هر يزرا

ذات بي تمييز وباتمييز را

هر يكى تسبيح بر نوع دكر

كويد او ازحال آن اين بى خبر

آدمي منكر ز تسبيح جماد

وان جماد اندر عبادت او ستاد

واعلم أن الله تعالى أعطى لكل شيء من أصناف المخلوقات من الحيوانات إلى الجمادات سمعا وبصرا ولسانا وفهما به يسمع كلام الحق ويبصر شواهد الحق ويكلم الحق ويفهم إشارة الحق كما أخبر الله تعالى عن حال السموات والأرض وهما في العدم أعطاهما سمعا به سمعتا قوله ائتيا طوعا أو كرها وأعطاهما فهما به فهمتا كلامه وأعطاهما لسانا به قالتا أتينا طائعين فكل شيء يسبح الله بذلك اللسان ويسجد له بذلك الطوع.

فمن هذا اللسان الملكوتي معجزة النبي عليه السلام كانت الحصى تسبح في يده.

وكذلك الأحجار الثلاثة كلمت داود عليه السلام واوبت الجبال معه ولما قال الله تعالى : ﴿وإن من شىء إلا يسبح بحمده ولاكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ (الإسراء : 44) فلا يبعد أن يسجدكل شيء وإن لم نفقه سجوده.

قال الكاشفي : (درين آيت سجده بايد كرد واين سجده سوم است از سجدهاى قرآني.

وحضرت شيخ قدس سره در فتوحات اين را سجود عالم بالا وادنا خوانده كه در مقام دلت خوف حق را سجده مى كنند س بنده بايدكه درين محل بدين صفت موسوم شود خودرا بزمره ساجدان كنجايش دهد) ﴿يخافون ربهم﴾ أي : مالك أمرهم والجملة حال من الضمير في لا يستكبرون.

﴿من فوقهم﴾ أي :

41

يخافونه تعالى خوف هيبة وإجلال وهو فوقهم بالقهر لقوله تعالى : ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾ (الأنعام : 18) فهو حال من ربهم.

قال في "التبيان" عند قوله : ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾ يعني الغالب عباده وفوق صلته انتهى.

أو يخافون أن يرسل عليهم عذابا من فوقهم فهو متعلق بيخافون.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٥ · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٥ · ص ٣١