﴿أو يأخذهم على تخوف﴾ قال في "القاموس" تخوف الشيء تنقصه ومنه أو يأخذهم على تخوف انتهى.
ولقي رجل أعرابيا فقال : يا فلان ما فعل دينك فقال : تخوفته يعني تنقصته كما في تفسير أبي الليث.
والمعنى أو يأخذهم على أن ينقصهم شيئا بعد شيء في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا ولا يهلكهم في حالة واحدة فيكون المراد مما قبلها عذاب الاستئصال ومنها الأخذ شيئا فشيئا والمراد بذكر الأحوال الثلاث بيان قدرة الله تعالى على إهلاكهم بأي وجه كان لا الحصر فيها ﴿فإن ربكم لرؤاف رحيم﴾ حيث لا يعاجلكم بالعقوبة ويحلم عنكم مع استحقاقكم لها والمعنى أنه إذا لم يأخذكم مع ما فيه فإنما رأفته تقيكم ورحمته تحميكم.
وفي "التأويلات النجمية" رؤف بالعباد إذ أعطاهم حسن الاستعداد رحيم عليهم عند إفساد استعدادهم بالمعاصي بأن لا يأخذهم في الحال ويتوب عليهم في المآل ويقبل توبتهم بالفضل والنوال ومن المعاصي التقلب من أعمال الدنيا إلى أعمال الآخرة بالرياء أو من أعمال الآخرة إلى أعمال الدنيا بالهوى وعذابه الرد من حرم القبول والرجع من درجات الوصول.
فعلى العاقل التيقظ في الأمور وترك السيآت والشرور فإنه لا يشعر من أين يأتي العذاب من قبل الأعمال الدنيوية أو من قبل الأعمال الأخروية ومن جهل المريد بنفسه وبحق ربه أن يسيىء الأدب بإظهار دعوى مثلا فتؤخر لعقوبة عنه إمهالا له فيظنه أهمالاف فيقول : لو كان هذا سوء أدب لقطع الإمداد وأوجب الإبعاد اعتبارا بظاهر الأمر وما ذلك إلا لفقد نور بصيرته أو ضعف نورها وإلا فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر حتى ربما ظن أنه متوفر في عين تقصير ولو لم يكن من قطع المدد إلا منع المزيد لكان قطعا لأن من لم يكن في زيادة فهو في نقصان.
قال بعضهم : الزم الأدب ظاهرا وباطنا فما أساء أحد الأدب في الظاهر إلا عوقب ظاهرا ولا أساء أحد الأدب في الباطن إلا عوقب باطنا من ضيع الأدب فهو بعيد من حيث يظن القرب ومردود من حيث
39
يظن القبول.
وقال رويم لابن خفيف : اجعل عملك ملحا وأدبك دقيقا ، وفي "المثنوي" :
ازخدا جوييم توفيق وأدب
بي أدب محروم كشت از لطف رب
بي أدب تنهانه خودرا داشت بد
جزء : 5 رقم الصفحة : 36
بلكه آتش درهمه آفاق زد
هركه نامردى كنددر راه دوست
رهزن مردان شدونا مرد اوست
اللهم اجعلنا من المتأدبين بآداب حبيبك وأصحابك إلى يوم السؤال وجوابه ﴿أولم يروا﴾ الهمزة للإنكار وهي داخلة في الحقيقة على النفي وإنكار النفي نفى له ونفى النفي إثبات.
والرؤية هي البصرية المؤدية إلى التفكر والضمير لكفار مكة أي : ألم ينظروا ولم يروا ﴿إلى ما خلق الله﴾ أي : قد رأوا أمثال هذه الصنائع فما لهم لم يتفكروا فيه ليظهر لهم كمال قدرته وقهره فيخافوا منه ﴿من شىء﴾ بيان لما الموصولة أي : من كل شيء ﴿يتفيؤا ظلاله﴾ أي : ترجع شيئا فشيئا من جانب إلى جانب وتدور من موضع إلى موضع حسبما تقتضيه إرادة الخالق فإن التفيىء مطاوع الافاءة.
قال في "تهذيب المصادر" : التفيىء (باز آدن سايه بعد از انتصاف النهار) ولا يكون التفيىء إلا بالعشي قال الله تعالى : ﴿يتفيؤا ظلاله﴾ انتهى.
والظلال جمع الظل وهو بالفارسية (سايه) والجملة صفة لشيء.
قال في "الإرشاد" : ولعل المراد بالموصول الجمادات من الجبال والأشجار والأحجار التي لا يظهر لظلالها أثر سوى التفيىء بارتفاع الشمس وانحدارها وأما الحيوان فظله يتحرك بتحركه.
وفي "التبيان" يريد به الشجر والنبات وكل جسم قائم له ظل ﴿عن اليمين والشمآاال﴾ متعلق بيتفيىء.
والشمائل جمع شمال.
بالجر ضد اليمين وبالفتح الريح التي مهبها بين مطلع الشمس وبنات نعش أو من مطلع النعش إلى مسقط النسر الطائر كما في "القاموس" أي : ألم يروا الأشياء التي لها ظلال متفيئة عن أيمانها وشمائلها أي : عن جانبي كل واحد منها وشقيه.
وفي "التبيان" أي في أول النهار عن اليمين وفي آخره عن الشمال يعني من جانب إلى جانب إذا كنت متوجها إلى القبلة استعارة من يمين الإنسان وشماله لجانبي الشيء وتوحيد اليمين وجمع الشمائل لأن مذهب العرب إذا اجتمعت علامتان في شيء واحد أن يلغي واحد ويكتفي باأحدهما كقوله تعالى : ﴿وعلى سمعهم وعلى أبصارهم﴾ (البقرة : 7) وقوله تعالى : ﴿يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾ (البقرة : 57) كذا في "الأسئلة المقحمة".
جزء : 5 رقم الصفحة : 36