تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذهب فخر الإسلام وغيره إلى أن حقيقة الكلام مرادة بأن أجرى الله سنته في تكوين الأشياء أن يكونها بهذه الكلمة إذ لم يمتنع تكوينها بغيرها.

والمعنى يقول له أحدث فيحدث عقيب هذا القول لكن المراد هو الكلام النفسي المنزه عن الحروف والأصوات لا الكلام اللفظي المركب منهما لأنه حادث يستحيل قيامه بذاته تعالى.

يقول الفقير : أفادني شيخي وسندي روح الله روحه في قوله عليه السلام : "إن الله فرد يحب الفرد" إن مقام الفردية يقتضي التثليث فهو ذات وصفة وفعل وأمر الإيجاد يبني على ذلك وإليه الإشارة بقوله تعالى : ﴿إنما قولنا لشىء إذآ أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ فهو ذات وإرادة وقول والقول مقلوبه بعد الإعلال اللقا فليس عند الحقيقة هناك قول وإنما هو لقاء الموجد اسم فاعل بالموجد اسم مفعول وسريان هويته إليه وظهور صفته وفعله فيه فافهم هذه الدقيقة.

قال الروح ينزل بالمطر وله تعين في كل نشأة بما يناسب حاله فعند تمام الخلقة في الرحم ينفخ الله تعالى الروح وهو عبارة عن تعين الروح وظهوره كظهور النار من غير إيقاد ولكن عبر عنه بالنفخ تفخيما لأن العقل قاصر عن دركه ولذا قال العلماء : لا يبحث عن ذات الباري تعالى وكيفية تعلق القدرة بالمعدومات وكيفية العذاب بعد الموت.

جزء : 5 رقم الصفحة : 32

﴿والذين هاجروا فى الله﴾ أي : في شأن الله ورضاه وفي حقه والتمكين من طاعته ولوجهه ﴿منا بعد ما ظلموا﴾ هم الذين ظلمهم أهل مكة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرجوهم من ديارهم فهاجروا إلى الحبشة ثم إلى المدنية فجمعوا بين الهجرتين

35

لا المهاجرون مطلقا فإن السورة مكية.

روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى ما نزل بالمسلمين من توالي الأذى عليهم من كفار قريش قال لهم : "تفرقوا في الأرض فإن الله سيجمعكم" قالوا : إلى أين نذهب؟ قال : "اخرجوا إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا عظيما لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه" فهاجر إليها ناس ذو عدد قال بعضهم كانوا فوق ثمانين مخافة الفتنة فرارا إلى الله تعالى بدينهم منهم من هاجر إلى الله بأهله كعثمان بن عفان رضي الله عنه هاجر ومعه زوجته رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم وكان أول خارج ومنهم من هاجر بنفسه وفي الحديث "من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجب له الجنة وكان رفيق أبيه خليل الله إبراهيم ونبيه محمد عليهما السلام" ﴿لنبوئنهم﴾ لننزلنهم ﴿فى الدنيا حسنة﴾ أي : مباءة حسنة وهي المدينة المنورة حيث آواهم أهلها ونصروهم.

يقال بوأه منزلا أنزله والمباءة المنزل فهي منصوبة على الظرفية أو على أنها مفعول ثان إن كان لنبوئنهم في معنى لنعطينهم ﴿ولاجر الاخرة﴾ المعد لهم في مقابلة الهجرة ﴿أكبر﴾ مما يعجل لهم في الدنيا.

في "المدارك" الوقف لازم عليه لأن جواب قوله ﴿لو كانوا يعلمون﴾ محذوف والضمير للكفار أي : لو علموا أن الله تعالى يجمع لهؤلاء المهاجرين خير الدارين لوافقوهم في الدين ويجوز أن يعود إلى المؤمنين المهاجرين فإنهم لو علموا علم المشاهدة لازدادوا في المجاهدة والصبر وأحبوا الموت وليس الخبر كالمعاينة.

جزء : 5 رقم الصفحة : 32

﴿الذين﴾ أي : المهاجرون هم الذين ﴿صبروا﴾ على مفارقة الوطن الذي هو حرم الله المحبوب في كل قلب فكيف بقلوب قوم هو مسقط رؤوسهم.

روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما توجه مهاجرا إلى المدينة وقف ونظر إلى مكة وبكى وقال : "والله إني لأخرج منك وإني لأعلم أنك أحب بلاد الله إلى الله تعالى وأكرمها على الله ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت" قال الهمام :

مشتاب ساربان كه مرا ى دركلست

در كردنم زحلقه زلفش سلاسلست

تعجيل ميكنى تو وايم نمى رود

بيرون شدن منزل أصحاب مشكلشت

ون عاقبت زصحبت ياران بريدنيست

يوند باكسى نكند هركه عاقلست

وكذا صبروا على مفارقة الأهل والشدائد من أذية الكفار وبذل الأرواح ونحو ذلك.

﴿وعلى ربهم﴾ خاصة ﴿يتوكلون﴾ منقطعين إليه معرضين عما سواه مفوضين إليه الأمر كله والمعنى على المضي والتعبير بصيغة المضارع لاستحضار صورة توكلهم البديعة.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٥ · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٥ · ص ٢٧