تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والإشارة ﴿والذين هاجروا فى الله﴾ بالأبدان عما نهى الله عنه بالشريعة وهاجروا بالله بالقلوب عن الحظوظ الأخروية برعاية الطريقة وهاجروا إلى الله بالأرواح عن مقامات القربة ورؤية الكرامات بجذبات الحقيقة بل هاجروا عن الوجود المجازي مستهلكا في بحر الوجود الحقيقي حتى لم يبق لهم في الوجود سوى الله من بعدما ردوا إلى أسفل السافلين لننزلنهم على أقرب القرب في حال حياتهم ولأجر الآخرة أي : بعد الخروج من الدنيا والخلاص من حبس أوصاف البشرية وتلوثها بها أكبر أي : أعظم وأجل وأصفى وأهنى وأمرى مما كان لهم من حسنات الدنيا لو كانوا

36

يعلمون قدره ويؤدون شكره الذين صبروا على الائتمار بالأوامر وعلى الانتهاء عن النواهي بل صبروا على المجاهدات والمكابدات لنيل المشاهدات والمواصلات ﴿وعلى ربهم يتوكلون﴾ صبروا بالله في طلبه وتوكلوا على الله في وجدانه فبالصبر ساروا وبالتوكل طاروا ثم في الله حاروا حيرة لا نهاية لها إلى الأبد كما في "التأويلات النجمية".

جزء : 5 رقم الصفحة : 36

اعلم أن من توكل على الله وانقطع إليه كفاه الله كل مؤونه ومن انقطع إلى الدنيا وأهلها لا يتم أمره فإن أهل الدنيا لا تقدر على النفع وإيصال الخير ما لم يرد الله.

قال أبو سعيد الخراز قدس سره أقمنا بمكة ثلاثة أيام لم نأكل شيئا وكان بحذائنا فقير معه ركوة مغطاة بحشيش وربما أراه يأكل خبزا حواري فقلت له : نحن ضيفك فقال : نعم فلما كان وقت العشاء مسح يده على سارية فناولني درهمين فاشترينا خبزا فقلت : بم وصلت إلى ذلك فقال : يا أبا سعيد بحرف واحد تخرج قدر الخلق من قلبك تصل إلى حاجتك.

﴿ومآ أرسلنا﴾ وذلك أن مشركي قريش لما بلغهم النبي صلى الله عليه وسلم الرسالة ودعاهم إلى عبادة الله تعالى أنكروا ذلك وقالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا ولو أراد أن يبعث إلينا رسولا لبعث من الملائكة الذين عنده فنزل قوله تعالى وما أرسلنا ﴿من قبلك﴾ أي : الأمم الماضية ﴿إلا رجالا﴾ آدميين لا ملكا وقوله تعالى : ﴿جاعل الملائكة رسلا﴾ (فاطر : 1) أي : إلى الملائكة أو إلى الأنبياء ولا امرأة إذ مبني حالها على الستر والنبوة تقتضي الظهور ولا صبيا ونبوة عيسى في المهد لا تنافيه إذ الرسالة أخص.

قال ابن الجوزي اشتراط الأربعين في حق الأنبياء ليس بشيء.

﴿نوحى إليهم﴾ على ألسنة الملائكة في الأغلب وأكثر الأمر وفيه إشارة إلى أن الرسالة والنبوة والولاية لا تسكن إلا في قلوب الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا يبيع عن ذكر الله :

نه هركس سزاوار باشد بصدر

كرامت بفضلست ورتبت بقدر

﴿فسالوا﴾ أي : فإن شككتم في ذلك فاسألوا يا معشر قريش ﴿أهل الذكر﴾ علماء أهل الكتاب ليخبروكم أن الله تعالى لم يبعث إلى الأمم السالفة إلا بشرا وكانوا يشاورونهم في بعض الأمور ولذلك أحالهم إلى هؤلاء للإلزام ﴿إن كنتم لا تعلمون﴾ ذلك.

وفي الآية إشارة إلى وجوب المراجعة إلى العلماء فيما لا يعلم.

وسئل الإمام الغزالي رحمه الله : من أين حصل لك الإحاطة بالعلوم أصولها وفروعها فتلا هذه الآية أي : أفاد أن ذلك العلم الكلي إنما حصل باستعلام المجهول من العلماء وترك العار وقد ورد (الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها) يعني ينبغي للمؤمن أن يطلب الحكمة كما يطلب ضالته.

جزء : 5 رقم الصفحة : 36

﴿بالبينات والزبر﴾ بالمعجزات والكتب والباء متعلقة بمقدر وقع جوابا عن سؤال من قال بم أرسلوا فقيل : أرسلوا بالبينات والزبر.

والبينات جمع بينة وهي الواضحة.

والزبر جمع زبور وهو الكتاب بمعنى المزبور أي : المكتوب ﴿وأنزلنآ إليك الذكر﴾ أي : القرآن إنما سمي به لأنه تذكير وتنبيه للغافلين.

يعني أنه سبب الذكر فاطلق عليه المسبب ﴿لتبين للناس﴾ كافة العرب والعجم ﴿ما نزل إليهم﴾ في ذلك الذكر من الأحكام والشرائع وغير ذلك من أحوال القرون المهلكة بأفانين العذاب حسب أعمالهم الموجبة لذلك على وجه التفصيل بيانا شافيا كما ينبىء عنه صيغة التفعيل في الفعلين

37

﴿ولعلهم يتفكرون﴾ التفكر تصرف القلب في معاني الأشياء لدرك المطلوب أي وإاردة أن يجيلوا فيه أفكارهم فيتنبهوا للحقائق وما فيه من العبر ويحترزوا عما يؤدي إلى مثل ما أصاب الأولين من العذاب.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٥ · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٥ · ص ٢٨