﴿ولقد بعثنا فى كل أمة﴾ من الأمم.
وبالفارسية (درميان هركر وهى).
﴿رسولا﴾ خاصا بهم كما بعثناك ﴿أن اعبدوا الله﴾ أن مفسرة لبعثنا أي : قلنا لهم على لسان الرسول اعبدوا الله وحده.
﴿واجتنبوا الطاغوت﴾ هو الشيطان وكل ما يدعوا إلى الضلال وذلك لإلزام الحجة وقطع المعذرة مع علمه أن منهم من لا يأتمر بالأوامر ولا يؤمن.
والطاغوت فعلوت من الطغيان كالجبروت والملكوت من الجبر والملك وأصله طغيوت فقدم اللام على العين وتاؤه زائدة دون التأنيث.
﴿فمنهم﴾ أي : من تلك الأمم والفاء فصيحة أي : فبلغوا ما بعثوا به من الأمر بعبادة الله وحده واجتناب الطاغوت فتفرقوا فمنهم.
﴿من هدى الله﴾ خلق فيه الاهتداء إلى الحق الذي هو عبادته واجتناب الطاغوت بعد صرف قدرتهم واختيارهم الجزئي إلى تحصيله.
﴿ومنهم من حقت عليه الضلالة﴾ (كمر اهى بسبب خذلان الهى) أي : وجبت وثبتت إلى حين الموت لعناده وإصراره عليها وعدم صرف قدرته فلم يخلق فيه الاهتداء ولم يرد أن يطهر قلبه ﴿فسيروا﴾ سافروا يا معشر قريش إذ الكلام معهم ﴿فى الارض فانظروا﴾ في أكنافها وفي الفاء الموضوعة للتعقيب إشارة إلى وجوب المبادرة إلى النظر والاستدلال المؤديين إلى الإقلاع عن الضلال ﴿كيف كان عاقبة المكذبين﴾ من عاد وثمود ومن سار بسيرتهم ممن حقت عليه الضلالة لعلكم تعتبرون حين تشاهدون من منازلهم وديارهم آثار الهلاك والعذاب ﴿إن تحرص﴾ يا محمد ﴿على هدااهم﴾ أي : إن تطلب هداية قريش بجهدك.
وبالفارسية (اكرسخت كوشى وحرص ورزى) ﴿فإن الله لا يهدى من يضل﴾ أي : فاعلم أن الله لا يخلق الهداية جبرا وقهرا فيمن يخلق فيه الضلالة بسوء اختياره.
﴿وما لهم من ناصرين﴾ من ينصرهم برفع العذاب عنهم وصيغة الجمع في الناصرين باعتبار الجمعية في الضمير فإن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد إلى الآحاد.
جزء : 5 رقم الصفحة : 32
واعلم أن سر بعثة الأنبياء عليهم السلام إلى الخلق أن يأمروهم بعبادة الله واجتناب طاغوت الهوى وما يعبدون من دون الله ويعلموهم كيفية العبادة الخالصة من الشوائب وكيفية الاجتناب عما سوى الله ليصلوا بهذين القدمين إلى حضرة الجلال كما قال بعضهم خطوتان وقد حصلت.
فالخطوة الأولى عبادة الله بالتوحيد وهو التوجه إلى الله تعالى بالكلية طلبا وشوقا ومحبة.
والثانية الخروج عما سوى الله بالكلية صدقا واجتهادا بليغا لينالوا ما نال من قال لربه كلى بكلك مشغول فقال كلي لكلك مبذول كما في "التأويلات النجمية".
فعلى العاقل أن يجتهد في طريق العبودية وهي رفض المشيئة لأن العبد لا مشيئة له لأنه لا يملك ضرا ولا نفعا.
وحكي أن إبراهيم بن أدهم رحمه الله اشترى عبدا فقال له : أي شيء تأكل؟ قال : ما تطعمني؟ قال : أي شيء تعمل؟ قال : ما تستعملني قال : أي شيء لك إرادة؟ قال : وأين تبقى إرادة العبد في جنب إرادة سيده ثم راجع إبراهيم نفسه وقال : يا مسكين ما كنتفي عمرك ساعة مثل ما كان هذا لك في هذه الحالة؟ إن قلت الطاعة
33
راجحة أم ترك المخالفات.
قلت : الاحتماء غالب على المعالجة بالأدوية كما يفعله أهل الهند فإنهم يداوون مرضاهم بترك الأكل أياما.
وقد قال أبو القاسم : لا تطلبوا الآخرة بالبذل والإيثار واطلبوا بالترك والكف.
وهذا عكس ما عليه أهل الزمان فإن عبادهم يأتون ما أمكن لهم من الطاعات وهم غرقى في بحر المخالفات إذ ليس لهم مبالاة في باب التروك فلو أنهم اقتصروا على الفرائض والواجبات واجتهدوا في باب الكف عن الرزائل والمخالفات لكان خيرا لهم ولذا قال في "المثنوي" :
بهر اين بعض صحابه از رسول
ملتمس بودند مكر نفس غول
كوه آميزدز أغراض نهان
در عبادتها ودر اخلاص جان
فضل طاعت را نجستندى ازو
عيب ظاهر را نجستندى كه كو
هو بمو وذره ذرء مكر نفس
مى شناسيدند ون كل از كرفس
نسأل الله تعالى أن يهدينا إلى حق اليقين ويعصمنا من أعمال من قال في حقهم ومالهم من ناصرين.
جزء : 5 رقم الصفحة : 32