الإيمان تتفاوت منازلهم الجنانية فالفردوس وعدن للخواص ومن يلحق بهم وغيرهما للعوام وكمال الإيمان إنما يحصل بمكاشفة أسرار الملكوت ومشاهدة أنوار الجبروت وصاحبه الصديق الأكبر والدليل على ما قلنا قوله تعالى : ﴿إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا﴾ (الكهف : 107) فإنهم قد قالوا في التفسير إن أهلها هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر وهو الوصف الزائد على مطلق الإيمان ولذا وعدوا بتلك الجنان إذ من كان أرفع مرتبة في الدنيا بحسب العلوم النافعة والأخلاق الفاضلة كان أعلى درجة في الجنة.
جزء : 5 رقم الصفحة : 28
﴿هل ينظرون﴾ (أيا انتظار ميبرند كفار مكه) أي ما ينتظرون ﴿إلا أن تأتيهم الملائكة﴾ أي : ملك الموت وأعوانه لقبض أرواحهم بالعذاب لمواظبتهم على الأسباب الموجبة له المؤدية إليه فكأنهم يقصدون إتيانه ويترصدون لوروده.
﴿أو يأتى أمر ربك﴾ أي : العذاب الدنيوي وقد أتى يوم بدر ﴿كذالك﴾ مثل فعل هؤلاء من الشرك والظلم والتكذيب والاستهزاء ﴿فعل الذين﴾ خلوا ﴿من قبلهم﴾ من الإثم ﴿وما ظلمهم الله﴾ بما سيتلى من عذابهم ﴿ولاكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ بالكفر والمعاصي المؤدية إليه.
جزء : 5 رقم الصفحة : 32
﴿فأصابهم﴾ عطف على قوله فعل الذين من قبلهم.
والمعنى بالفارسية (رسيد ايشانرا بحكم عدل) ﴿سياات ما عملوا﴾ أي : أجزية أعمالهم السيئة على طريقة تسمية المسبب باسم سببه إيذانا بفظاعته لا على حذف المضاف فإنه يوهم أن لهم أعمالا غير سيآتهم.
﴿وحاق بهم﴾ أي : أحاط بهم ونزل من الحيق الذي هو إحاطة الشر كما في "القاموس" الحيق ما يشتمل على الإنسان من مكروه فعله ﴿ما كانوا به يستهزءون﴾ من العذاب الموعود.
﴿وقال الذين أشركوا﴾ أي : أهل مكة ﴿لو شآء الله﴾ عدم عبادتنا لشيء غيره ﴿ما عبدنا من دونه﴾ (بجز خداي تعالى) ﴿من دونه من شىء نحن﴾ الذين نقتدي بهم في ديننا ﴿ولا حرمنا من دونه﴾ (يجز خداي تعالى) ﴿من شىء﴾ يعني : تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.
ومذهب أهل السنة أن الكفر والمعاصي وسائر أفعال العباد بمشيئة الله وخلقه والكفار وإن قالوا الشرك وغيره بمشيئة الله لكنهم يستدلون بذلك على إباحة تحريم الحلال وسائر ما يرتكبون من المعاصي ويزعمون أن الشرك والمعاصي إذا كانت بمشيئة الله تعالى ليست معصية ولا عليها عذاب فهذا كلام حق أريد به الباطل فصار باطلا.
وفي "المدارك" هذا الكلام صدر منهم استهزاء ولو قالوه اعتقادا لكان صوابا انتهى (حسين بن فضل كفته كه اكر كفار اين سخن از روى تعظيم وإجلال ومعرفت الهى كفتندى حق سبحانه وتعالى ايشانرا بدان عيب نكردى) ، قال الحافظ :
درين من نكتم سرزنش بخود رويى
نانكه رورشم ميدهند ميرويم
وقال :
نقش مستورى ورندى نه بدست من وتست
آنه سلطان ازل كفت بكن آن كردم
يقول الفقير : فرق بين الجاهل الغافل المحجوب وبين العارف المتيقظ الواصل إلى المطلوب والأدب إسناد المقابح إلى النفس والمحاسن إلى الله تعالى فإنه توحيد أي توحيد ﴿كذالك﴾ أي مثل ذلك الفعل الشنيع ﴿فعل الذين من قبلهم﴾ من الأمم أي : أشركوا بالله وحرموا
32
حله وعصوا رسله وجادلوهم بالباطل حين نبهوهم على الخطأ وهدوهم إلى الحق ﴿فهل على الرسل﴾ (س هست برفر ستاد كان يعني نيست برايشان) ﴿إلا البلاغ المبين﴾ أي : ليست وظيفتهم إلا تبليغ الرسالة تبليغا واضحا واطلاع الخلق على بطلان الشرك وقبحه لا الجاءهم إلى قبول الحق وتنفيذ قولهم عليهم شاءوا أو أبوا.
جزء : 5 رقم الصفحة : 32