﴿جنات عدن﴾ عدن علم أي : لهم بساتين عدن حال كونهم ﴿يدخلونها﴾ حال كونها ﴿تجرى من تحتها الانهار﴾ أي : من تحت منازلها الأنهار الأربعة على أن يكون المنبع فيها بشهادة من ﴿لهم﴾ خبر مقدم ﴿فيها﴾ أي : في تلك الجنات حال من المبتدأ المؤخر وهو قوله : ﴿ما يشآءون﴾ ويحبون من أنواع المشتهيات.
قال البيضاوي في تقديم الظرف تنبيه على أن الإنسان لا يجد جميع ما يريده إلا في الجنة.
يقول الفقير إن قلت هل يجوز للمرء أن يشتهي في الجنة اللواطة؟ وقد ذهب إليه من لا وقوف له على جلية الحال فالجواب أن الاشتهاء المذكور مخالف لحكمة الرب الغفور ولو جاز هو لجاز نكاح الأمهات فيها على تقدير الاشتهاء وأنه مما لا يستريب عاقل في بطلانه ألا ترى أن الذكور وكذا الزنى واللواطة والكذب ونحوها كان حراما مؤبدا في الدنيا في جميع الأديان لكونه مما لا تقتضي الحكمة حله بخلاف الخمر ونحوها ولذا كانت هي أحد الأنهار الجارية فيها فنسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن لا يستطيب ما استخبثته الطباع السليمة.
قال الكاشفي : (ودر جواب كسى كه كويد شايد بهشتى خواهد كه بدرجات أنبيا ومنازل أوليا ومراتب شهدا برسد وكفته اند دربهشت غيظ وحسدكه موجب تمناها باشد نيست با آنكه هريك ازبهشتيان بآنه دارند راضى اند).
وفي "التأويلات النجمية" : يشير إلى أن من الأتقياء من مشيئته الجنة ونعيمها ومن مشيئته العبور على الجنة والخروج إلى مقعد الصدق في مقام العندية فلهم ما يختارون من الجنة ومقعد الصدق ﴿كذالك﴾ أي : مثل ذلك الجزاء الأوفى
30
﴿يجزى الله المتقين﴾ أي : كل من يتقي عن الشرك والمعاصي.
جزء : 5 رقم الصفحة : 28
﴿الذين تتوفااهم الملائكة﴾ نعت للمتقين أي : يقبض ملك الموت وأعوانه أرواحهم حال كونهم ﴿طيبين﴾ أي : طاهرين عن دنس الظلام لأنفسهم بتبديل فطرة الله.
وفائدته الإيذان بأن ملاك الأمر في التقوى هو الطهارة عما ذكر إلى وقت توفيهم.
ففيه حث للمؤمنين على ذلك ولغيرهم على تحصيله.
وقيل : طيبين بفيض أرواحهم لتوجه نفوسهم بالكلية إلى جناب القدس جعلنا الله وإياكم منهم ، وفي "المثنوي" :
همنين باد أجل باعارفان
نرم وخوش همون نسيم يوسفان
وفي "التأويلات النجمية" أي : طيبي الأعمال عن دنس الشهوات والمخالفات.
وطيبي الأخلاق عن المذمومات الملوثة بالطبعيات دون الشرعيات.
وطيبي الأحوال عن وصمة ملاحظات الكونين ﴿يقولون﴾ حال من الملائكة أي : قائلين لهم على وجه التعظيم والتبشير.
﴿سلام عليكم﴾ لا يخيفكم بعد مكروه.
قال القرطبي : إذا استدعيت نفس المؤمن جاءه ملك الموت فقال : السلام عليك يا ولي الله الله يقرئك السلام وبشره بالجنة.
﴿ادخلوا الجنة﴾ أي : جنات عدن فإنها معدة لكم فاللام للعهد والمراد دخولهم لها في وقته كما قال الكاشفي : (بعد ازسلام كويند فرداكه مبعوث شويد در آييد دربهشت كه براى شما آماده است) والقبر روضة من رياض الجنة ومقدمة لنعيمها ومن دخله على حسن الحال والأعمال فكأنه دخل جنته ووجد نعيما لا يزول ولا يزال.
﴿بما كنتم تعملون﴾ بسبب ثباتكم على التقوى والطاعة والعمل وإن لم يكن موجبا للجنة لأن الدخول فيها محض فضل من الله إلا أن الباء دلت على أن الدرجات إنما تنال بالأعمال وصدق الأحوال فإن المراد من دخول الجنة إنما هو اقتسام المنازل بحسب الأعمال (وكفته اند) زرع يومك حصاد غدك :
بكوش امروز تا تخمى باشى
كه فردا بر جوى قادر نباشي
كر اينجا كشت كردن را نورزى
دران خرمن به از ارزن نيرزى
جزء : 5 رقم الصفحة : 28
وفي "التأويلات النجمية" : يشير إلى أن دخول الجنة للأتقياء جزاء لإصلاح أعمالهم والعبور عليها جزاء لإصلاح أخلاقهم والخروج إلى مقعد الصدق جزاء لإصلاح أحوالهم فلكل متق مقام بحسب معاملته مع الله تعالى وفي الحديث : "عدن دار الله التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر لا يسكنها غير ثلاثة : النبيون والصديقون والشهداء يقول الله تعالى طوبى لمن دخلك".
قال في "بحر العلوم" المراد بالصديق كل من آمن بالله ورسله ولم يفرق بين أحد منهم بدليل قوله تعالى : ﴿والذين ءامنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون﴾ (الحديد : 19) ويدل عليه أيضا الآية التي نحن فيها كما لا يخفى ويعضده قول النبي عليه السلام "الله تعالى بنى جنات عدن بيد قدرته وجعل ملاطها المسك وترابها وحصباءها اللؤلؤ لبنة من ذهب ولبنة من فضة وغرس غرسها بيد قدرته وقال لها : تكلمي قالت : قد أفلح المؤمنون فقال : طوبى لك منزل الملوك" وفي قولها : ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ (المؤمنون : 1) تنبيه على أن سكانها أهل الإيمان بالله ورسله انتهى.
يقول الفقير : لا شك أن أهل الإيمان كلهم يدخلون الجنة لكن بحسب تفاوت درجاتهم في مراتب
31