﴿سأصرف عن ءاياتى الذين يتكبرون في الارض بغير الحق﴾ (الأعراف : 146) والاستكبار إظهار الكبر باطلا كما في قوله تعالى في حق إبليس ﴿استكبر﴾ ومنه ما في هذا المقام.
وفي "العوارف" : الكبر ظن الإنسان أنه أكبر من غيره والتكبر إظهاره ذلك وفي الحديث : "لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان".
قال الخطابي فيه تأويلان : أحدهما أن المراد كبر الكفر ألا ترى أنه قابله في نقيضه بالإيمان والآخر أنه تعالى إذا أراد أن يدخله الجنة نزع ما في قلبه من الكبر حتى يدخلها بلا كبر.
قال في "فتح القريب" : هذان "التأويلان فيهما بعد فإن الحديث ورد في سياق النهي عن الكبر المعروف وهو الارتفاع على الناس وإحقارهم ودفع الحق وقيل : لا يدخلها دون مجازاة إن جازاه وقيل : لا يدخلها مع المتقين أول وهلة.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "قال الله تعالى : يا بني آدم خلقتكم من التراب ومصيركم إلى التراب فلا تتكبروا على عبادي في حسب ولا مال فتكونوا علي أهون من الذر وإنما تجزون يوم القيامة بأعمالكم لا بأحسابكم وإن المتكبرين في الدنيا أجعلهم يوم القيامة مثل الذر يطأهم الناس كما كانت البهائم تطأه في الدنيا".
وحكي أنه افتخر رجلان عند موسى عليه السلام بالنسب والحسب فقال أحدهما : أنا فلان ابن فلان حتى عد تسعة فأوحى الله تعالى إليه قل له هم في النار وأنت عاشرهم وأنشد بعضهم :
ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا
فكم تحتها قوم همو منك أرفع
فإن كنت في عز وحرز ورفعة
فكم مات من قوم همو منك أمنع
فعليك بالتواضع وعدم الفخر على واحد فإن التواضع باب من أبواب الجنة والفخر باب من أبواب النار واللازم فتح أبواب الجنان وسد أبواب النيران وتحصيل الفقر المعنوي الذي ليس الفخر في الحقيقة إلا به فإنه لا يليق بالمرء بدولة المعنى ورياسة الحال وسلطنة المقام إلا بتحلية ذاته بحلية التواضع وزينة الفناء ، قال الحافظ :
تاج شاهي طلبي كوهر ذاتي بنماي
ورخوداز كوهر جمشيدو فريدون باشي
اللهم اجعلنا من أهل التواضع لا من أرباب التملق واجعلنا من أصحاب التحقق بعد التخلق.
جزء : 5 رقم الصفحة : 22
﴿وإذا قيل لهم﴾ عن السعدي اجتمعت قريش فقالوا : إن محمدا رجل حلو اللسان إذا كلم رجلا ذهب بقلبه فانظروا أناسا من أشرافكم فابعثوهم في كل طريق مكة على رأس ليلة أو ليلتين فمن جاء يريده ردوه عنه فخرج ناس منهم من كل طريق فكان إذا جاء وافد من القوم ينظر ما يقول محمد فنزل بهم قالوا له : هو رجل كذاب ما يتبعه إلا السفهاء والعبيد ومن لا خير فيه وأما أشياخ قومه وأخيارهم فهم مفارقوه فيرجعه أحدهم وإذا كان الوافد ممن هداه الله يقول : بئس الوافد أنا لقومي إن كنت جئت حتى إذا بلغت مسيرة يوم رجعت قبل أن ألقى هذا الرجل فانظر ما يقول فيدخل مكة فيلقى المؤمنين فيسألهم ما يقول لهم فيقولون خيرا فذلك
25
قوله تعالى : ﴿وإذا قيل لهم﴾ أي : لهؤلاء المشركين المستكبرين المقتسمين من قبل الوفود أو وفود الحاج في الموسم ﴿ماذآ أنزل ربكم﴾ ماذا منصوب بأنزل بمعنى أي شيء أنزل ربكم على محمد ﴿قالوا أساطير الاولين﴾ عدلوا عن الجواب فقالوا : هذا أساطير الأولين على أن يكون خبر مبتدأ محذوف لأنهم أنكروا إنزال القرآن بخلاف قوله : ﴿وقيل للذين اتقوا ماذآ أنزل ربكم قالوا خيرا﴾ كما يجيىء ويجوز أن يكون ماذا مرفوعا بالابتداء أي : ما الذي أنزله ربكم قالوا أساطير الأولين أي : ما تدعون نزوله أحاديث الأمم السالفة وأباطيلهم وليس من الإنزال في شيء يعني : (هي نفر ستاده وآنه آدمي خواند أساطير الأولين است) قال في "القاموس" : الأساطير الأحاديث لا نظام لها جمع أسطار وأسطير بكسرهما وأسطور وبالهاء في الكل.
جزء : 5 رقم الصفحة : 25