تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿والله يعلم ما تسرون﴾ ما تضمرون من العقائد والأعمال ﴿وما تعلنون﴾ أي : تظهرونه منهما أي يستوي بالنسبة إلى علمه المحيط سركم وعلنكم فحقه أن يتقي ويحذر ولا يجترأ على شيء مما يخالف رضاه.

﴿والذين يدعون﴾ أي : والآلهة الذين يعبدهم الكفار والدعاء بمعنى العبادة في القرآن كثير

23

﴿من دون الله﴾ نصب على الحال أي : متجاوزين الله فإن معنى دون أدنى مكان من الشيء ثم استعير للتفاوت في الأحوال والرتب ثم اتسع فيه فاستعمل في كل من تجاوز حدا إلى حد وتخطى حكما إلى حكم ﴿لا يخلقون شياا﴾ من الأشياء أصلا أي : ليس من شأنهم ذلك لأنهم عجزة ﴿وهم يخلقون﴾ أي : شأنهم ومقتضى ذاتهم المخلوقية لأنها ذوات ممكنة مفتقرة في ماهيتها ووجوداتها إلى الموجد.

قال في "القاموس" : الخالق في صفاته المبدع للشيء المخترع على غير مثال سبق.

﴿أموات﴾ جمع ميت خبر ثان للموصول أي : جمادات لا حياة فيها وبالفارسية (وايشان باوجو ، مخلوقيت مردكانند) ولم يقل موات لأنهم صوروا على شكل من تحله الروح.

قال في "القاموس" : الموات كغراب وكسحاب ما لا روح فيه وأرض لا مالك لها ﴿غير أحيآء﴾ جمع حي ضد الميت أي : غير قابلين للحياة كالنطفة والبيضة فهي أموات على الإطلاق ﴿وما يشعرون أيان يبعثون﴾ الشعور (بدانستن) يقال : شعر به كنصر وكرم شعرا وشعورا علم به وفطن له وعقله.

وأيان مركب من أي : التي للاستفهام وآن بمعنى الزمان فلذلك كان بمعنى متى أي سؤالا عن الزمان كما كان اين سؤالا عن المكان فلما ركبا وجعلا اسما واحدا بنيا على الفتح كبعلبك وبعث الموتى نشرهم أي : إحياؤهم كما في "القاموس" والمعنى ما يعلم أولئك الآلهة متى يبعث عبدتهم من القبور.

وفيه إيذان بأن معرفة وقت البعث مما لا بد منه في الألوهية وتعريض بأنهم كما لا بد لهم من الموت لا بد لهم من البعث وهم منكرون لذلك وهو اللائح.

جزء : 5 رقم الصفحة : 22

﴿إلاهكم إلاه واحد﴾ (يكتا ويكانه است) لا تشاركه شيء في شيء.

﴿فالذين لا يؤمنون بالاخرة﴾ وأحوالها من البعث والجزاء وغير ذلك والإيمان في اللغة التصديق بالقلب وفي الشريعة هو الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان ، قال السهيلي في كتاب "الأمالي" : الفرق بين التصديق والإيمان أن التصديق لا بد أن يكون في مقابلة خبر والإيمان قد يكون في مقابلة خبر صادق وقد يكون عن فكر ونظر فإذا نظرت في الصنعة وعرفت بها الصانع آمنت ولم تكن مصدقا بخبر إذ لا خبر هناك فإذا جاء الخبر بما آمنت به وأقررت صدقت الخبر وأيضا أن التصديق قد يكون بالقلب وأنت ساكت تقول : سمعت الحديث فصدقته والإيمان لا بد من اجتماع اللفظ مع العقد فيه لغة وشرعا انتهى ﴿قلوبهم منكرة﴾ للوحدانية متصفة بالنكارة لا بالمعرفة.

﴿وهم مستكبرون﴾ أي : وهم قوم لا يزال الاستكبار عن اعتراف الوحدانية والتعظيم عن قبول الحق دأبهم كما في الإنكار سجيتهم.

﴿لا جرم﴾ (هر آيينه راست است) ﴿إن الله﴾ (آنكه خداى تعالى) ﴿يعلم ما يسرون﴾ من إنكار قلوبهم ﴿وما يعلنون﴾ من استكبارهم.

لا جرم للتحقيق والتأكيد بمنزلة حقا.

قال أبو البقاء : في لا جرم أربعة أقوال : أحدها : أن لا رد لكلام ماض أي : ليس الأمر كما زعموا.

وجرم فعل بمعنى كسب وفاعله مضمر فيه وأن ما بعده في موضع النصب على المفعول به.

والقول الثاني : أن لا جرم كلمتان ركبتا وصار معناهما حقا وما بعدها في موضع رفع بأنه فاعل لحق.

والثالث أن المعنى لا محالة فيكون ما بعدها في موضع رفع أيضا وقيل في موضع نصب أو جر.

والرابع : أن التقدير لا منع ﴿أنه﴾ أي : الله تعالى ﴿لا يحب المستكبرين﴾ عن التوحيد

24

أي : جنس المستكبرين سواء كانوا مشركين أو مؤمنين.

والاستكبار رفع النفس فوق قدرها وجحود الحق والفرق بين المتكبر والمستكبر أن التكبر عام لإظهار الكبر الحق كما في أوصاف الحق تعالى فإنه جاء في أسمائه الحسنى الجبار المتكبر وفي قوله عليه السلام : "التكبر على المتكبر صدقة" ولإظهار الكبر الباطل كما في قوله تعالى :

جزء : 5 رقم الصفحة : 22

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٥ · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٥ · ص ١٨