تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي "التأويلات النجمية" : وألقى في أرض البشرية جبال الوقار والسكينة لئلا تميل بكم صفات البشرية عن جادة الشريعة والطريقة وأنهارا من ماء الحكمة وطريق الهداية لعلكم تهتدون إلى الله تعالى وعلامات من الشواهد والكشوف وبنجم الهداية من الله يهتدون إلى الله وهو جذبة العناية يخرجكم بها من ظلمات وجودكم المجازي إلى نور الوجود الحقيقي انتهى.

قال الشيخ أبو القاسم الخزيمي الغراري في "كتاب الأسئلة المقحمة في الأجوبة المفحمة" : قوله تعالى : ﴿وألقى فى الأرض﴾ إلى قوله : ﴿لعلكم تهتدون﴾ فيه دليل أنه تعالى أراد من الكل الاهتداء والشكر وأن كل من لا يهتدي فليس ذلك بإرادته تعالى والجواب المراد به أن يذكرهم النعم التي يستحق عليها الشكر في قوله تعالى : ﴿خلق السماوات والارض﴾ إلى قوله : ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ﴾ ثم بين تعالى أن هذه النعم كلها توجب الشكر والهداية ثم يختص بها من يشاء كما قال تعالى : ﴿ولو شآء لهدااكم أجمعين﴾ .

جزء : 5 رقم الصفحة : 17

﴿أفمن يخلق﴾ هذه المصنوعات العظيمة وهو الله تعالى.

وبالفارسية (آيا كسى كه مرا آفريند اين همه مخلوقات راكه مذكور شد) ﴿كمن لا يخلق﴾ كمن لا يقدر على شيء أصلا وهو الأصنام ومن للعقلاء لأنهم سموها آلهة فأجريت مجرى العقلاء أو لأنه قابله بالخالق وجعله معه كقوله تعالى : ﴿فمنهم من يمشى على بطنه ومنهم من يمشى على رجلين﴾ والهمزة للإنكار أي : أبعد ظهور دلائل التوحيد تتصور المشابهة والمشاركة يعني : (خالق رابا مخلوق هي مشابهتي نيست س عاجزرا شريك قادر ساختن غايت عناد ونهايت جهلست) واختير تشبيه الخالق بغير الخالق مع اقتضاء المقام بظاهره عكس ذلك مراعاة لحق سبق الملكة على العدم ﴿أفلا تذكرون﴾ أي : لا تلاحظون فلا تذكرون ذلك فتعرفون فساد ما أنتم عليه يا أهل مكة فإنه بوضوحه بحيث لا يفتقر إلى شيء سوى التذكر وهو بالفارسية (ياد كردن).

جزء : 5 رقم الصفحة : 17

﴿وإن تعدوا﴾ العد بالفارسية (شمردن).

22

﴿فكلوا مما﴾ الفائضة عليكم مما لم يذكر ﴿لا تحصوهآ﴾ لا تطيقوا حصرها وضبط عددها ولو إجمالا فضلا عن القيام بشكرها يقال أحصاه أي : عده كما في "القاموس" ، وأصله أن الحساب كان إذا بلغ عقدا وضعت له حصاة ثم استؤنف العدد.

والمعنى لا توجد له غاية فتوضع له حصاة :

عطاييست هرمو ازو برتنم

كونه بهر موى شكرى كنم

﴿إن الله لغفور﴾ ستور يتجاوز عن تقصيركم في شكرها ﴿رحيم﴾ عظيم الرحمة والنعمة لا يقطعها عنكم مع استحقاقكم للقطع والحرمان بسبب ما أنتم عليه من العصيان ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها وتقديم وصف المغفرة على نعت الرحمة لتقدم التخلية على التحلية.

قال ابن عطاء : إن لك نفسا وقلبا وروحا وعقلا ومحبة ودينا ودنيا وطاعة ومعصية وابتداء وانتهاء وحينا وأصلا وفصلا فنعمة النفس الطاعات والإحسان والنفس فيهما تتقلب ونعمة القلب اليقين والإيمان وهو فيهما يتقلب ونعمة الروح الخوف والرجاء وهو فيهما يتقلب ونعمة العقل الحكمة والبيان وهو فيهما يتقلب ونعمة المعرفة الذكر والقرآن وهي فيهما تتقلب ونعمة المحبة الالفة والمواصلة والأمن من الهجران.

وهي فيها تتقلب وهذا تفسير قوله : ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ﴾ انتهى.

واعلم أنه لو صرف جميع عمر الإنسان إلى الأعمال الصالحة وإقامة الشكر لما كافأ نعمة الوجود فضلا عن سائر النعم :

لو عشت ألف عام

في سجدة لربي

شكر الفضل يوم

جزء : 5 رقم الصفحة : 22

لم أقض بالتمام

والعام ألف شهر

والشهر ألف يوم

واليوم ألف حين

والحين ألف عام

قال الشيخ سعدي قدس سره :

عذر تقصير خدمت آوردم

كه ندارم بطاعت استظهار

عاصيان ازكناه توبه كنند

عارفان ازعبادت استغفار

المراد رؤية العمل لا ترك العمل وينبغي للعبد أن يكون تحت طاعة المولى لا تحت طاعة النفس والشيطان فإن المطيع والعاصي لا يستويان.

حكي أن عابدا من بني إسرائيل عبد الله تعالى سبعين سنة فأراد الله أن يظهره على الملائكة فأرسل إليه ملكا يخبره أنه مع تلك العبادة لا يليق بالجنة فقال العابد : نحن خلقنا للعبادة فينبغي أن نعبد خالقنا امتثالا لأمره فرجع الملك فقال : إلهي أنت تعلم بما قال : فقال الله تعالى : إذا لم يعرض عن عبادتنا فنحن مع الكرم لا نعرض عنه اشهدوا أني قد غفرت له فللعبد أن يكون قصده مراعاة الأمر وإخراج النفس عن البين وهو حجاب عظيم للوصول إلى الحقيقة وعلى تقدير الزلة فالمسارعة إلى الاستغفار فإنه نعم المطهر من درن الذنوب والأوزار.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٥ · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٥ · ص ١٧