تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يعني (بديد كرديم در زمين راهها از هر موضعي بموضعي) ﴿لعلكم تهتدون﴾ إرادة أن تهتدوا بها إلى مقاصدكم ومنازلكم.

قال بعضهم خذوا الطريق ولو دارت واسكنوا المدن ولو جارت وتزوجوا البكر ولو بارت أي : ولو كانت البكر بورا أي : فاسدة هالكة لا خير فيها :

جزء : 5 رقم الصفحة : 17

زن نوكن اي دوست هر نوبهار

كه تقويم ارين نيايد بكار

﴿وعلامات﴾ أي : وجعل فيها معالم يستدل بها السابلة وهي القوم المختلفة على الطريق بالنهار من جبل وسهل ومياه وأشجار وريح كما قال الإمام : رأيت جماعة يشمون التراب وبواسطة ذلك الشم يتعرفون الطرقات ﴿وبالنجم هم يهتدون﴾ بالليل في البراري والبحار حيث لا علامة غيره ولعل الضمير لقريش فإنهم كانوا كثيري التردد للتجارة مشهورين بالاهتداء بالنجوم في أسفارهم وصرف النظم عن سنن الخطاب وتقديم النجم وإقحام الضمير للتخصيص كأنه قيل وبالنجم خصوصا هؤلاء يهتدون فالاعتبار بذلك ألزم لهم والشكر عليه أوجب عليهم والمراد بالنجم الجنس أو هو الثريا والفرقدان وبنات نعش والجدي وذلك لأنها تعلم بها الجهات ليلا لأنها دائرة حول القطب الشمالي فهي لا تغيب والقطب في وسط بنات نعش الصغرى والجدي هو النجم المفرد الذي في طرفها والفرقدان هما النجمان اللذان في الطرف الآخر وهما من النعس والجدي من البنات ويقرب من بنات نعش الصغرى بنات نعش الكبرى وهي سبعة أيضا أربعة نعش وثلاث بنات وبازاء الأوسط من البنات السهى وهو كوكب خفي صغير كانت الصحابة رضي الله عنهم تمتحن فيه أبصارهم كذا في "التكملة" لابن عسكر.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : تعلموا من النجوم ما تهتدون به في طرقكم وقبلتكم ثم كفوا وتعلموا من الأنساب ما تصلون به أرحامكم قيل : أول من نظر في النجوم والحساب إدريس النبي عليه السلام.

قال بعض السلف : العلوم أربعة : الفقه للأديان والطب للأبدان والنجوم للأزمان والنحو للسان وأما قوله عليه السلام : "من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر" أي : تعلم قطعة منه فقد قال الحافظ : المنهي عنه من علم النجوم هو ما يدعيه أهلها من معرفة الحوادث الآتية من مستقبل الزمان كمجيىء المطر ووقوع الثلج وهبوب الريح وتغير الأسعار ونحو ذلك ويزعمون أنهم يدركون هذا بسير الكواكب واقترانها وافتراقها وظهورها في بعض الأزمان دون بعض وهذا علم استأثر الله به لا يعلمه أحد غيره كما حكي أنه لما وقع قران الكواكب السبعة في دقيقة من الدرجة الثالثة من الميزان سنة إحدى وثمانين وخمسمائة حكم المنجمون بخراب الربع المسكون من الرياح وكان وقت البيدر ولم يتحرك ريح ولم يقدر الدهاقين على رفع الحبوب ولذا استوصى تلميذ من شيخه بعد التكميل عند افتراقه فقال : إن أردت أن لا تحزن أبدا فلا تصحب منجما وإن أردت أن تبقي لذة فمك فلا تصحب طبيبا.

جزء : 5 رقم الصفحة : 17

قال الشيخ : (منجمي بخانه خود در آمد مرد بيكانه را ديد بازن او بهم نشته دشنام داد وسقط كفت وفتنه وآشوب بر خاست صاحب دلى برين حال واقف شد وكفت) :

تو بر اوج فلك ه دانى يست

وندانى كه درسراى تو كيست

فأما ما يدرك من طريق المشاهدة من علم النجوم الذي يعرف به الزوال وجهة القبلة وكم مضى وكم بقي فإنه غير داخل في النهي انتهى كلام الحافظ مع زيادة.

يقول الفقير أصحاب النظر والاستدلال

21

محتاجون إلى معرفة شيء من علم النجوم والحكمة والهيئة والهندسة ونحوها مما يساعده ظاهر الشرع الشريف إذ هو أدخل في التفكر وقد قال تعالى : ﴿ويتفكرون فى خلق السماوات والارض﴾ (آل عمران : 191) ولا يمكن صرف التفكر إلى المجهول المطلق فلا بد من معلومية الأمر ولو بوجه ما وهذا القدر خارج عن الطعن والجرح كما قال السيد الشريف النظر في النجوم ليستدل بها على توحيد الله تعالى وكمال قدرته من أعظم الطاعات وأما أرباب الشهود والعيان فطريقهم الذكر وبه يصلون إلى مطالعة أنوار الملك والملكوت ومكاشفة أسرار الجبروت واللاهوت فيشاهدون في الأنفس والآفاق ما غاب عن العيون ويعاينون في الظاهر والباطن ما تحير فيه الحكماء والمنجمون ثم إن الاهتداء إما بنجوم عالم الآفاق وهو للسائرين من أرض إلى أرض وإما بنجوم عالم الأنفس وهو للمهاجرين من حال إلى حال وفي الحديث "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" وهذا الاقتداء والاهتداء مستمر باق إلى آخر الزمان بحسب التوارث في كل عصر فلا بد من الدليل وهو صاحب البصيرة والولاية كامل التصرف في الهداية المخصوص بالعناية ، قال الحافظ :

بكوى عشق منه بى دليل راه قدم

كه من بخويش نمودم صد اهتمام ونشد

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٥ · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٥ · ص ١٦