﴿وسخر لكم﴾ أي : لمنامكم ومعاشكم ولعقد الثمار وإنضاجها ﴿وسخر لكم﴾ يتعاقبان خلفة كما قال تعالى : ﴿وهو الذى جعل اليل والنهار خلفة﴾ (الفرقان : 62) قال بعضهم : الليل ذكر كآدم والنهار أنثى كحواء والليل من الجنة والنهار من النار ومن ثمة كان الإنس بالليل أكثر.
﴿والشمس والقمر﴾ تسخرا في سيرهما وإنارتهما أصالة وخلافة وإصلاحهما لما نيط بهما صلاحه كل ذلك لمصالحكم ومنافعكم ، قال السعدي :
ابر وباد ومه وخوشيد وفلك در كارند
تاتو نانى بكف آرى وبغفك تخورى
همه از بهر نو سركشته وفرمان بردار
جزء : 5 رقم الصفحة : 13
شرط إنصاف نباشد كه توفرمان نبرى
والتسخير بالفارسية (رام كردانيدن) وليس المراد بتسخير هذه لهم تمكنهم من تصريفها كيف شاءوا كما في قوله تعالى : ﴿سبحان الذى سخر لنا هاذا﴾ (الزخرف : 13) ونظائره بل هو تصريفه تعالى لها حسبما يترتب عليه منافعهم ومصالحهم لا أن ذلك تسخير لهم وتصرف من قبلهم حسب إرادتهم ﴿والنجوم مسخراتا بأمره﴾ مبتدأ وخبر أي : سائر النجوم في حركاتها وأوضاعها من التثليث والتربيع ونحوهما مسخرات أي : مذللاتخلقها ودبرها كيف شاء أو لما خلقن له بأمره أي : بإرادته ومشيئته وحيث لم يكن عود منافع النجوم إليهم في الظهور بمثابة ما قبلها من ا لملوين والقمرين لم ينسب تسخيرها إليهم بأداة الاختصاص بل ذكر على وجه يفيد كونها تحت ملكوته تعالى من غير دلالة على شيء آخر ولذلك عدل عن الجملة الفعلية الدالة على الحدوث إلى الاسمية المفيدة للدوام والاستمرار.
وقرىء بنصب النجوم على تقدير وجعل النجوم مسخرات بأمره أو على أنه معطوف على المنصوبات المتقدمة ومسخرات حال من الكل والعامل ما في سخر من معنى نفع أي : نفعكم بها حال كونها مسخراتأو لما خلقن له بإيجاده وتقديره ﴿إن فى ذالك﴾ أي : فيما ذكر من التسخير المتعلق بما ذكر مجملا ومفصلا ﴿لايات﴾ باهرة متكاثرة ﴿لقوم يعقلون﴾ يفتحون عقولهم للنظر والاستدلال ويعتبرون وحيث كانت هذه الآثار العلوية متعددة ودلالة ما فيها من عظيم القدرة والعلم والحكمة على الوحدانية أظهر جميع الآيات علقت بمجرد العقل من غير حاجة إلى التأمل.
قال أهل العلم العقل جوهر مضيىء خلقه الله في الدماغ وجعل نوره في القلب يدرك الغائبات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهدة وهو للقلب بمنزلة الروح للجسد فكل قلب لا عقل له فهو ميت وهو بمنزلة قلب البهائم وسئل النبي صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس عقلا قال : "المسارع إلى مرضاة الله تعالى والمجتنب عن محارم الله تعالى" قالوا : أخف حلما من العصفور قال حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه :
لا بأس بالقوم من طول ومن عظم
جسم البغال وأحلام العصافير
جزء : 5 رقم الصفحة : 13
﴿وما ذرأ لكم﴾ عطف على قوله والنجوم رفعا ونصبا على أنه مفعول لجعل المقدر أي : وما خلق ﴿فى الأرض﴾ من حيوان ونبات حال كونه ﴿مختلفا ألوانه﴾ أي : أصنافه فإن اختلافها غالبا يكون باختلاف اللون سخرتعالى أو لما خلق به من الخواص والأحوال والكيفيات أو جعل ذلك مختلف الأصناف لتتمتعوا من ذلك بأي صنف شئتم.
وفي "بحر العلوم" :
17
﴿مختلفا ألوانه﴾ هيآته من خضرة وبياض وحمرة وسواد وغير ذلك.
وفي أكثر التفاسير وما ذرأ معطوف على الليل والنهار أي : وسخر لكم ما خلق لأجلكم وتعقب بأن ذكر الخلق لهم مغن عن ذكر التسخير واعتذر بأن الأول لا يستلزم الثاني لزوما عقليا لجواز كون ما خلق لهم عزيز المرام صعب المنال ﴿إن فى ذالك﴾ الذي ذكر من التسخيرات ونحوها ﴿لاية﴾ دالة على أن من هذا شأنه واحد لا شريك له ﴿لقوم يذكرون﴾ فإن ذلك غير محتاج إلا إلى تذكر ما عسى يغفل عنه من العلوم الضرورية.
جزء : 5 رقم الصفحة : 17