تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جزء : 5 رقم الصفحة : 13

وقال الكاشفي يعني (درخت زيتون را).

قال في "إنسان العيون" : شجرة الزيتون تعمر ثلاثة آلاف سنة وكان زاده صلى الله عليه وسلم وقت تخليه بغار حراء بالمد والقصر الكعك والزيت وجاء "ائتدموا بالزيت وادهنوا به فإنه يخرج من شجرة مباركة" وهي الزيتون وقيل لها مباركة لأنها لا تكاد تنبت إلا في شريف البقاع التي بورك فيها كأرض بيت المقدس.

﴿والنخيل﴾ (وخرما بنانرا) والنخيل والنخل بمعنى واحد وهو اسم جمع والواحدة نخلة كالثمرة والثمر وفي الحديث : "أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من فضل طينة آدم وليس من الشجر شجرة أكرم على الله من شجرة ولدت تحتها مريم ابنة عمران فاطعموا نساءكم الولد الرطب فإن لم يكن رطب فتمر" كما في "المقاصد الحسنة" ﴿والاعناب﴾ (وتا كهارا) جمع الأعناب للإشارة إلى ما فيها من الاشتمال على الأصناف المختلفة.

وفيه إشارة إلى أن تسمية العنب كرما لم يكن بوضع الواضع ولكنه كان من الجاهلية كأنهم قصدوا به الاشتقاق من الكرم لكون الخمر المتخذة منه تحث على الكرم والسخاء فنهى النبي عليه السلام عن أن يسموه بالاسم الذي وضعه الجاهلية وأمرهم بالتسمية اللغوية بوضع الواضع حيث قال : "لا تقولوا الكرم ولكن قولوا العنب والحبلة" ثم بين قبح تلك الاستعارة

15

بقوله : "إنما الكرم قلب المؤمن" يعني : أن ما ظنوه من السخاء والكرم فإنما هو من قلب المؤمن لا من الخمر إذ أكثر تصرفات السكران عن غلبة من عقله فلا يعتبر ذلك العطاء كرما ولا سخاء إذ هو في تلك الحالة كصبي لا يعقل السخاء ويؤثر بماله سرفا وتبذيرا فكما لا يحمل ذلك على الكرم فكذا إعطاء السكران كذا في "أبكار الأفكار".

وخصص هذه الأنواع المعدودة بالذكر للإشعار بفضلها وشرفها ثم عمم فقال : ﴿ومن كل الثمرات﴾ من تبعضية أي : بعض كلها لأنه لم يخرج بالمطر جميع الثمرات وإنما يكون في الجنة أي : لم يقل كل الثمرات لأن كلها لا تكون إلا في الجنة وإنما أنبت في الأرض من كلها للتذكرة ولعل المراد ومن كل الثمرات التي يحتملها هذه النشأة الدنيوية وترى بها وهي الثمرات المتعارفة عند الناس بأنواعها وأصنافها فتكون كلمة من صلة كما في قوله تعالى : ﴿يغفر لكم من ذنوبكم﴾ (الأحقاف : 31) على رأي الكوفية وهو اللائح.

﴿إن فى ذالك﴾ أي : في إنزال الماء وإنبات ما فصل ﴿لاية﴾ عظيمة دالة على تفرده تعالى بالألوهية لاشتماله على كمال العلم والقدرة والحكمة ﴿لقوم يتفكرون﴾ فإن من تفكر في أن الحبة والنواة تقع في الأرض وتصل إليها نداوة تنفذ فيها فينشق أسفلها فيخرج منه عروق تنبسط في أعماق الأرض وينشق أعلاها إن كانت منتكسة في الوقوع ويخرج منه ساق فينمو ويخرج منه الأوراق والأزهار والحبوب والثمار على أجسام مختلفة الأشكال والألوان والخوص والطبائع وعلى نواة قابلة لتوليد الأمثال على النمط المحرر لا إلى نهاية مع اتحاد المواد واستواء نسبة الطبائع السفلية والتأثيرات العلوية بالنسبة إلى الكل علم أن من هذه أفعاله وآثاره لا يمكن أن يشبهه شيء في شيء من صفات الكمال فضلا عن أن يشاركه أخس الأشياء في صفاته التي هي الألوهية واستحقاق العبادة تعالى عن ذلك علوا كبيرا :

جزء : 5 رقم الصفحة : 13

روضه جانبخش جانها آفريد

بغة كون ومكانها آفريد

كرد ازهر شاخها كل برك وبار

جلوه او نقش ديكر آشكار

والتفكر تصرف القلب في معاني الأشياء لدرك المطلوب قالوا : الذكر طريق والفكر وسيلة المعرفة التي هي أعظم الطاعات.

قال بعضهم : الذكر أفضل للعامة لما في الفكر لهم من خوف الوقوع في الأباطيل وتمكن الشبه عندهم كما يعرض ذلك لكثير من العوام في زماننا والفكر أفضل لأرباب العلم عند التمكن من الفكر المستقيم فإنهم كلما عرضت لهم شبهة تطلبوا دليلا يزيلها فكان الفكر لهم أفضل من الذكر إذا لم يتمكنوا من حصول الفكر البليغ مع الذكر وإليه أشار عليه السلام بقوله : "تفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة".

روي أن عثمان رضي الله عنه ختم القرآن في ركعة الوتر لتمكنه من التدبر والتفكر ولم يبح ذلك لمن لم يتمكن من تدبره ومعرفة فقهه وأجل له مدة يتمكن فيها من ذلك كالثلاثة والسبعة.

والإشارة في الآية ﴿هو الذى أنزل من السمآء مآء﴾ الفيض ﴿لكم منه شراب﴾ المحبة لقلوبكم ﴿ومنه شجر﴾ قوى البشرية ودواعيها فيه ترعون مواشي نفوسكم ينبت لغذاء أرواحكم به زرع الطاعات وزيتون الصدق ونخيل الأخلاق الحميدة وأعناب الواردات الربانية ومن كل ثمرات المعقولات والمشاهدات والمكاشفات والمكالمات والأحوال كلها ﴿إن فى ذالك لاية لقوم يتفكرون﴾

16

بنظر العقل في هذه الصنائع الحكمية.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٥ · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٥ · ص ١٢