ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم استخلفناكم فيها بعد القرون التي أهلكناها استخلاف من يختبر ؛ لأن الله تعالى لا يحتاج في العلم بأحوال الإنسان إلى الاختبار والامتحان في الحقيقة ، ولكن يعامل معاملة من يطلب العلم بما يكون منهم ليجازيهم بحسبه لننظر النظر في اللغة : عبارة عن تقليب الحدقة نحو المرئي طلبا لرؤيته وهو في حقه
21
تعالى مستعار للعلم المحقق الذي لا يتطرق إليه شك ولا شبهة بأن يشبه هذا العلم بنظر الناظر وإدراكه عين المرئي على سبيل المعاينة والمشاهدة ، ويطلق عليه لفظ النظر والرؤية على سبيل الاستعارة التصريحية ثم تسرى الاستعارة إلى الفعل تبعا.
قال الكاشفي : (تابه بينيم در صورت شهادت بعد ازانكه دانستيم درغيب شماكه) كيف تعملون (ه كونه عمل خواهيد كرد ازخر وشرتا باشما بمقتضاى اعمال شما عامله كنيم ان خيرا فخير وان شرا فشر) :
جزء : 4 رقم الصفحة : 21
را آيينه فعلست كويى
كه دروى هره كردى مينمايد
اكر كردى نكوئى نيك بيني
وكريد كرده بد يشت آيد
وكيف معمول تعملون فإن معنى الاستفهام يحجب أن يعمل فيه ما قبله ، وفائدته : الدلالة على أن المعتبر في الجزاء جهات الأفعال وكيفياتها لا من حيث ذاتها ولذلك يحسن الفعل تارة ويقبح أخرى وفي الحديث : إن الدنيا حلوة خضرة يعني حسنة في المنظر تعجب الناظر والمراد من الدنيا صورتها ومتاعها وإنما وصفها بالخضرة ؛ لأن العرب تسمى الشيء الناعم خضراء ولتشبيهها بالخضراوات في سرعة زوالها وفيه بيان كونها غرارة يفتتن الناس بحسنها.
قال الحافظ :
خوش عروست جهان ازره صورت ليكن
هركه يوست بدوعمر خودش كابين داد
قال : في فتح القريب حسنها للنفوس ونضارتها ولذتها كالفاكهة الخضراء الحلوة فإن النفس تطلبها طلبا حثيثا فكذلك الدنيا وهي في الحال حلوة خضراء وفي المآل مرة كدرة نعمت المرضعة وبئست الفاطمة وإن الله مستخلفكم فيها أي : جاعلكم خلفاء في الدنيا يعني إن أموالكم ليست هي في الحقيقة لكم إنما هيجعلكم في التصرف فيها بمنزلة الوكلاء فناظر كيف تعملون أي : تتصرفون قيل معناه جاعلكم خلفا ممن قبلكم وأعطى ما بأيديهم إياكم فناظر هل تعتبرون بحالهم وتتدبرون في مآلهم.
قال قتادة : ذكر لنا عمر رضي الله عنه قال : صدق ربنا جعلنا خلفاء الأرض لينظر إلى أعمالنا فأروه من أعمالكم خيرا بالليل والنهار والسر والعلانية.
وفي الآية : وعيد لأهل مكة على إجرامهم بتكذيب رسول الله ليرتدعوا عن إنكار النبوة واستعجال الشر حذرا من أن ينزل بهم عذاب الاستئصال كما نزل بمن قبلهم من المكذبين وهذا الوعيد والتهديد لا يختص بهم فإن أهل كل قرن خليفة لمن قبله إلى قيام الساعة.
فعلى العاقل أن يعتبر بمن مضى ويتدارك حاله قبل نزول القضاء.
قال : في التأويلات النجمية إن لهذه الأمة اختصاصا باستحقاق الخلافة الحقيقية التي أودعها الله في آدم عليه السلام بقوله : إني جاعل في الأرض خليفة ولهذا السر ما كان في أمة من الأمم من الخلفاء ما كان في هذه الأمة بالصورة والمعنى وللخلافة صورة ومعنى فكما أن صورة الخلافة مبنية على الحكم بين الرعية الصورية بالعدل والتسوية على قانون الشرع والأجناب عن متابعة الهوى والطبع ، كذلك معنى الخلافة مبنى على الحكم بين الرعية المعنوية ، وهي الجوارح والأعضاء والقلب والروح والسر والنفس وصفاتها وأخلاقها والحواس الخمس والقوى النفسانية بالحق ، كما كان سيرة الأنبياء وخواص الأولياء في طلب الحق ومجانبة الباطل وترك ما سوى الله والوصول إلى الله.
جزء : 4 رقم الصفحة : 21
﴿وإذا تتلى عليهم﴾
22
أي : على مشركي مكة.
آياتنا القرآنية الدالة على حقيقة التوحيد وبطلان الشرك حال كونها.
بينات واضحات الدلالة على ذلك.
قال الذين لا يرجون لقاءنا : يعني : (اميد ندارند ديدار مارا ورسيدن بما) وهو عبارة عن كونهم مكذبين للحشر.