﴿ولو يعجل الله﴾ والاستعجال طلب العجلة والمراد بالشر العذاب وسمى به لأنه أذى مكروه في حق المعاقب روى أن النضر بن الحارث قال منكرا لنبوته عليه السلام اللهم إن كان محمد حقا في إدعاء الرسالة فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ، وكانوا يستعجلون العذاب المتوعد به من لسان النبوة فقال تعالى : ولو يعجل الله للناس الشر والعذاب حين استعجلوه استعجالا مثل استعجالهم بالخير والرحمة والعافية لقضى إليهم أجلهم لأدى إليهم الأجل الذي عين لعذابهم وأميتوا وأهلكوا بالمرة وما أمهلوا طرفة عين ، لأن تركيبهم في الدنيا لا يحتمل ما استعجلوه من العذاب ولكن لا نعجل ولا نقضى فنذر الذين أي نترك فالفاء للعطف على مقدر ، لا على يعجل ؛ إذ لو كان كذلك لدخل في الامتناع الذي يقتضيه لو ، وليس كذلك لأن التعجيل لم يقع وتركهم في طغيانهم يقع كما في تفسير أبي البقاء لا يرجون لقاءنا لا يتوقعون جزاءنا في الآخرة التي هي محل اللقاء لإنكارهم البعث في طغيانهم الذي هو عدم رجاء اللقاء وإنكار البعث والجزاء وهو متعلق بنذر أو بقوله : يعمهون أي : حال كونهم متحيرين ومترددين ، وذلك لأنه لاصلاح ولا حكمة في إماتتهم وإهلاكهم عاجلا إذ ربما آمنوا بعد ذلك أو ربما خرج من أصلابهم من يكون مؤمنا ولذلك لا يعاجلهم الله تعالى بإيصال الشر إليهم ، بل يتركهم إمهالا لهم واستدراجا.
قال الحدادي : الآية عامة في كل من يستعجل العقاب الذي يستحقه بالمعاصي ويدخل فيها دعاء الإنسان على نفسه وولده وقومه بما يكره أن يستجاب له مثل قول الرجل إذا غضب على ولده اللهم لا تبارك فيه والعنه وقوله لنفسه رفعني الله من بينكم وفي الحديث : (دعاء المرء على محبوبه غير مقبول) وعن ابن عمر رضي الله عنهما رفعه (إني سألت الله لا يقبل دعاء حبيب على حبيبه) ولكن قد صح (إن دعاء الوالد على ولده لا يرد) فيجمع بينهما كما في المقاصد الحسنة.
جزء : 4 رقم الصفحة : 20
وقال شهر بن حوشب : قرأت في بعض الكتب إن الله تعالى يقول للملكين
20
الموكلين لا تكتبا على عبدي في حال ضجره شيئا.
ثم بين الله تعالى أنهم كاذبون في استعجال العذاب بناء على أنه لو نزل بالإنسان أدنى شيء يكرهه لا يصبر عليه بل يتضرع إلى الله في إزالته عنه فقال وإذا مسى الإنسان أصابه الضر جنس الضر من مرض وفقر وغيرهما من الشدائد إصابة يسيرة دعانا (بخواند مرا باخلاص براى ازاله او).
لجنبه اللام بمعنى على كما في قوله تعالى : يخرون للأذقان أي : دعنا كائنا على جنبه أي مضطجعا ، أو ملقى لجنبه على الأرض لما به من المرض واللام على بابها.
أو قاعدا أو قائما وذلك من الضرر ما يغلب الإنسان ويجعله صاحب فراش يضطره إلى الاضطجاع ، ومنه ما يكون أخف من ذلك ويجعله بحيث يقدر على القعود ومنه ما يتمكن الإنسان معه على القيام لا غير.
ففائدة الترديد تعميم الدعاء لجميع أصناف الضرر ، ويجوز أن يكون لجميع الأحوال ، أي : دعانا في جميع أحواله مما ذكر وما لم يذكر لإزالة ما يضر عنه في حال ما من أحواله ، وتخصيص المعدودات بالذكر لعدم خلو الإنسان عنها عادة.
فلما كشفنا عنه ضره رفعناه وأزلناه بسبب إخلاصه في الدعاء مر مضى على طريقته التي كان ينتحيها قبل مساس الضر ونسى حالة الجهد والبلاء واستمر على كفره.
كأن أي : كأنه لم يدعنا إلى ضر مسه أي مشبها بمن لم يدع إلى كشف ضره فهو حال من فاعل مر وهذا وصف للجنس باعتبار حال بعض أفراده ممن هو متصف بهذه الصفات كذلك أي مثل ذلك التزيين ، فالكاف اسم منصوب المحل على أنه صفة مصدر محذوف لقوله : زين للمسرفين ما كانوا يعملون من الأعراض عن التضرع والانهماك في الشهوات حين انكشاف الضر عنهم.
وسمى الكافر مسرفا لكونه مسرفا في أمر دينه متجاوزا عن الحد في الغفلة عنه فإنه لا شبهة في إن المرء كما يكون مسرفا في الإنفاق فكذا يكون مسرفا في اتباع الهوى وتضييع العمر فيما لا يعنيه بل يضره.
قال الصائب :
ازين ه سودكه دركلستان وطن دارم
مراكه عمر ونركس بخواب ميكذرد
جزء : 4 رقم الصفحة : 20
﴿ولقد أهلكنا القرون﴾ يعني الأمم الماضية مثل قوم نوح وعاد من قبلكم متعلق بأهلكنا وليس بحال من القرون لأنه زمان أي : أهلكنا من قبل زمانكم يا أهل مكة لما ظلموا حين ظلموا بالتكذيب واستعمال القوى والجوارح لا على ما ينبغي وجاءتهم أي : والحال أنهم قد جاءتهم رسلهم بالبينات أي : بالحجج الدالة على صدقهم وما كانوا ليؤمنوا وما استقام لهم أن يؤمنوا لفساد استعدادهم وخذلان الله لهم وعلمه بأنهم يموتون على كفرهم وهو عطف على ما ظلموا ، كأنه قيل لما ظلموا وأصروا على الكفر بحيث لم يبق فائدة في إمهالهم أهلكناهم كذلك أي : مثل ذلك الجزاء وهو إهلاكهم بسبب تكذيبهم للرسل وإصرارهم عليه بحيث تحقق إنه لا فائدة في إمهالهم نجزي القوم المجرمين نجزى كل مجرم.