﴿إن الذين لا يرجون لقآءنا﴾ (الحاقة : 20) وبعدم الرجاء عدم اعتقاد الوقوع المنتظم لعدم الأمل وعدم الخوف فإن عدمهما لا يستدعي عدم اعتقاد وقوع المأمول والمخوف أي لا يتوقعون الرجوع إلينا أو لقاء حسابنا المؤدي إما إلى حسن الثواب أو إلى سوء العذاب فلا يأملون الأول وإليه أشير بقوله : ﴿ورضوا بالحيواة الدنيا﴾ ير بقوله : واطمأنوا بها كما في الإرشاد ورضوا بالحيوة الدنيا من الآخرة وآثروا القليل الفاني على الكثير الباقي واطمأنوا بها وسكنوا إليها قاصرين هممهم على لذائذها وزخارفها أو سكنوا فيها سكون من لا يزعج عنها فبنوا شديدا واملوا بعيدا : يعني (در دنيا ساكن كشتند بر وجهي كه كوييا هركز ايشانرا از آنجا رحلت نخواهد بودوند انستندكه لحظه بلحظه دست اجل طبل رحيل فرخوا اهد كوفت) :
آن كيست كه دل نهاد وفارغ بنشست
نداشت كه مهلتي وتأخيري هست
كو خيمه مزن كه ميخ مى بايد كند
كو رخت منه كه بار مى بايد بست
روى أن الله تعالى قال : عجبت من ثلاثة ، ممن آمن بالنار ويعلم أنها وراءه كيف يضحك.
ومن اطمأنت نفسه بالدنيا وهو يعلم أنه يفارقها كيف يسكن إليها.
وممن هو غافل وليس بمغفول عنه كيف يلهو.
ونزل النعمان بن المنذر تحت شجرة ليلهو فقال عدي أيها الملك أتدري ما تقول هذه الشجرة؟ ثم أنشأ يقول :
رب ركب قد أناخوا حولنا
يمزجون الخمر بالماء الزلال
ثم اضحوا عصف الدهر بهم
وكذاك الدهر حالا بعد حال
فتنغص على النعمان يومه كذا في ربيع الأبرار والذين هم عن آياتنا عن آيات القرآن فيكون المراد الآيات التشريعية أو عن دلائل الصنع فيكون المراد الآيات التكوينية غافلون لا يتفكرون فيها لانهماكهم فيما يضادها والعطف لتغاير الوصفين أي للجمع بين الوصفين المتغايرين الانهماك في لذات الدنيا وزخارفها والذهول عن آيات الله ودلائل المعرفة أو لتغاير الذاتين كما قال في التأويلات النجمية إن الذين لا يعتقدون السير إلينا والوصول بنا لدناءة همتهم ورضوا بالتمتعات الدنيوية وركنوا إلى مالها وجاهها وشهواتها همتهم والذين هم عن آياتنا غافلون وإن لم يركنوا إلى الدنيا وتمتعاتها ، وكانوا أصحاب الرياضات والمجاهدات من أهل الأديان والملل وهم البراهمة والفلاسفة والإباحية لكن كانوا معرضين عن متابعة النبي ، أو كانوا من أهل الأهواء والبدع.
جزء : 4 رقم الصفحة : 17
﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم﴾ (الرعد : 22) أو تحية الله إياهم كما قال : ﴿سلام قولا من رب رحيم﴾ (يس : 58) :
سلام دوست شنيدن سعادتست وسلامت
بوصل يار رسيدن فضيلتست وكرامت
﴿وءاخر دعوااهم﴾ نعته بصفات الجلال أي دعاؤهم منحصر فيما ذكر إذ ليس لهم مطلب مترقب حتى ينظموه في سلك الدعاء ، وإن هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن المحذوف والجملة الاسمية التي بعدها في محل الرفع على أنها خبر لها وإن مع اسمها وخبرها في محل الرفع خبر للمبتدأ الأول روى أن أهل الجنة إذا اشتهوا شيئا يقولون : سبحانك اللهم فيأتيهم الخدم بالطعام والشراب وكل ما يشتهون فإذا طعموا قالوا الحمدرب العالمين.
واعلم أنه لا تكليف في الجنة ولا عبادة وما عبادة أهل الجنة إلا أن يسبحوا الله ويحمدوه وذلك ليس بعبادة وإنما يلهمونه فينطقون به تلذذا بلا كلفة (وهر آيينه لذت تسبيح وتحميد ايشسانرا از ميع لذاتهاى بهشت خو بترآيد)
ذوق نامش عاشق مشتاقرا
از بهشت جاودانى خوشتراست
كره درفردوس نعمتها بسى ست
وصل او ازهره دانى خوشترست
19
وفيه إشارة إلى أن اللسان إنما خلق للذكر والدعاء لا لكلام الدنيا والغيبة والبهتان.
زبان آمد از بهر شكرو ساس
بغيبت نكرداتدش حق شناس
وقد كان أول كلام تكلم به أبونا آدم عليه السلام حين عطس الحمد ، وآخر الدعاء أيضا كان ذلك.
ففيه إشارة إلى أن العبد غريق في بحر نعم الله أولا وآخرا فعليه استغراق أوقاته بالحمد ونعم الله في الدنيا متناهية وفي الآخرة غير متناهية فالحمد لا نهاية له أبد الآباد وهو منتهى مراتب السالكين : وفي المثنوى :
حمدشان ون حمدكلشنن از بهار
صد نشانى دارد وصد كير ودار
بر بهارش شمه ونخل وكياه
وان كلستان ونكارستان كواه
توملاف از مشك كان بوى ياز
جزء : 4 رقم الصفحة : 19
از دم تو ميكند مكشوف راز
كلشكر خوردم همى كوئى وبوى
مى زند از سير كه ياوه مكوى
يعني : أن لحمد العارف علامة فإنه يشهد لحمده كل أعضائه بخلاف حمد غيره فلا بد من تحقيق الدعوى بالحجة والبرهان فإن الدعوى المجردة لا تنفع كما لا يخفى على أهل الإيقان نسأل الله سبحانه أن يجعلنا من الحامدين في السراء والضراء بلسان الجهر والإخفاء.
جزء : 4 رقم الصفحة : 19