وفي الحديث : اشتدى أزمة تنفرجي خاطب عليه السلام السنة المجدبة فقال : ابلغي في الشدة والمشقة الغاية تنكشفي ، وفيه تنبيه على أن لا بقاء للمحنة في دار الدنيا كما لا بقاء للنعمة.
والأزمة : القحط ، والشدة : وقيل أزمة امرأة وقعت في الطلق فقال عليه السلام : أي أزمة اشتدى : يعني ابلغي في الشدة الغاية تنفرجي حتى تجدي الفرج عن قريب بالوضع ، والعرب تقول : إذا تناهت الشدة انفرجت.
وقد عمل أبو الفضل يوسف بن محمد الأنصاري المعروف بابن النحوي لفظ الحديث مطلع قصيدة في الفرج بديعة في معناها كذا في المقاصد الحسنة لخاتمة الحافظ والمحدثين الامام السخاوي رحمه الله سبحانه.
قل يا أيها الناس خطاب لأهل مكة إن كنتم في شك من ديني الذي أتعبد الله به وأدعوكم إليه ولم تعلموا ما هو وما صفته فلا أعبد أي : فأنا لا أعبد وإلا لا نجزم الذين تعبدون من دون الله في وقت من الأوقات ولكن أعبد الله الذي يتوفيكم يقبض أرواحكم بواسطة الملك ، ثم يفعل بكم ما يفعل من فنون العذاب ، أي : فاعلموا تخصيص العبادة به تعالى ورفض عبادة ما سواه من الأصنام وغيرها مما تعبدونه جهلا وذلك لأن شكهم ليس سببا لعدم عبادة الأوثان وعبادة الله بل سبب للإعلام والإخبار بأن الدين كذا ، ومثله وما بكم من نعمة فمن الله فأن استقرار النعمة في المخاطبين ليس سببا لحصولها من الله تعالى ، بل الأمر بالعكس وأنما هو سبب للأخبار بحصولها من الله تعالى وأمرت أن أي : بأن أكون من المؤمنين وفي الانتقال من العبادة التي هي جنس من أعمال الجوارح إلى الإيمان والمعرفة دلالة على أنه ما لم يصر الظاهر مزينا بالأعمال الصالحة لا يستقر في القلب نور الإيمان والمعرفة ، فأن الله تعالى جعل أحكام الشريعة أساس المعرفة ، فإذا زال الأساس زال ما بنى عليه ، وأيضا العمل لباس المعرفة فإذا انسلخت المعرفة عن هذا اللباس صارت كسراج على وجه الريح.
علم آبست وعمل سد ون سبو
ون سبو بشكست ريزد آب ازو
جزء : 4 رقم الصفحة : 85
﴿وأن أقم وجهك للدين﴾ عطف على أن أكون وأن مصدرية أي : موصول حرفي وصلته لا تجب أن تكون خبرية بخلاف الموصول الأسمي ، والمعنى وأمرت بالاستقامة في الدين
86
والاشتداد فيه بأداء الفرائض والانتهاء عن القبائح كما في تفسير القاضي.
قال ابن الشيخ : في حواشيه وفيه إشارة إلى أن إقامة الوجه للدين كناية عن توجيه النفس بالكلية إلى عبادة الله تعالى والإعراض عما سواه ، فأن من أراد أن ينظر إلى شيء نظرا بالاستقصاء فأنه يقيم وجهه في مقابلته بحيث لا يلتفت يمينا ولا شمالا ، فأنه لو التفت إلى جهة بطلت تلك المقابلة واختل النظر المراد ولذلك كنى بإقامة الوجه عن صرف القوي بالكلية إلى الدين انتهى.
قال في الكواشي : والمعنى كن مؤمنا وأخلص عملك :
عبادت باخلاص نيت نكوست
وكرنه ه آيد زبى مغز وست
حنيفا حال من الدين ، أي : مائلا عن الأديان الباطلة مستقيما لا اعوجاج فيه بوجه ما ، ولا تكونن من المشركين اعتقادا وعملا عطف على أقم داخل تحت الأمر.
قال الإمام : من عرف مولاه لو التفت بعد ذلك إلى غيره كان ذلك شركا ، وهذا هو الذي تسميه أصحاب القلوب بالشرك الخفي.
قال المغربي :
اكر بغير توكردم نكاه درهمه عمر
بياد جرم غرامت زديده ام بستان
ولا تدع عطف على قوله تعالى : قل يا أيها الناس غير داخل تحت الأمر من دون الله استقلالا ولا اشتراكا ما لا ينفعك إذا دعوته بدفع مكروه أو جلب محبوب.
ولا يضرك إذا تركته بسلب المحبوب دفعا أو رفعا أو بإيقاع المكروه فإن فعلت أي : ما نهيت عنه من دعاء ما لا ينفع ولا يضر فإنك إذا من الظالمين الضارين بأنفسهم فأنه إذا كان ما سوى الحق معزولا عن التصرف ، كان إضافة التصرف إلى ما سوى الحق وضعا للشيء في غير موضعه فيكون ظلما فلا نافع ولا ضار إلا الحق وكل شيء هالك إلا وجهه.
خيال جمله جهانرا بنور شم يقين
بجنب بحر حقيقت سراب مى بينم
جزء : 4 رقم الصفحة : 86