﴿وإن يمسسك الله بضر﴾ (واكر برساند خداي بتو مرضى ياشدتي يا فقري) فلا كاشف له عنك إلا هو وحده وإن يردك بخير (واكر خواهد بتوصحت وراحت وغنا) فلا راد فلا دافع لفضله من جملة ما أرادك به من الخير كائنا من كان فيدخل فيه الأصنام ، وفيه إيذان بأن فيضان الخير منه تعالى بطريق التفضل من غير استحقاق عليه سبحانه ولعل ذكر الإرادة مع الخير والمس مع الضر مع تلازم الأمرين للإيذان بأن الخير مراد بالذات ، وأن الضر أنما يمس من يمسه لما يوجبه من الدواعي الخارجية لا بالقصد الأولي ولم يستثن مع الإرادة كما استثنى مع المس بأن يقول إلا هو لأنه قد فرض أن تعلق الخير به واقع بإرادة الله تعالى فصحة الاستثناء تكون بإرادة ضده في ذلك الوقت وهو محال ، إذ لا يتعلق الإرادتان للضدين في وقت واحد بخلاف مس الضر فأن إرادة كشفه لا تستلزم المحال.
يصيب به (ميرساند فضل خودرا) أي : بفضله الشامل لما أرادك به من الخير ولغيره.
من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم فتعرضوا لرحمته بالطاعة ولا تيأسوا من غفرانه بالمعصية.
وفي التأويلات النجمية : وهو الغفور يستر بنور وجهه ظلمة وجود الصديقين الرحيم يتقرب برحمته إلى الطالبين الصادقين وهم الذين دينهم عبادة الله وطاعته ومحبته
87
وطلبه لا عبادة الهوى والدنيا وطاعتها ومحبتها.
وقال في المفاتيح : معنى الغفور يستر القبائح والذنوب بإسبال الستر عليها في الدنيا وترك المؤاخذة والعقاب عليها في الآخرة.
وحظ العارف من هذا الاسم أن يستر من أخيه ما يحب أن يستر منه وقد قال عليه السلام : من ستر على مؤمن عورته ستر الله عورته يوم القيامة والمغتاب والمتجسس والمكافىء على الإساءة بمعزل عن هذا الوصف ، وأنما المتصف به من لا يفشى من خلق الله إلا سن ما فيه يروى أن عيسى عليه السلام مر مع الحواريين بكلب ميت قد غلب نتنه ، فقالوا : ما أنتن هذه الجيفة فقال عيسى عليه السلام : ما أحسن بياض أسنانها تنبيها على أن الذي ينبغي أن يذكر من كل شيء ما هو أحسن كما في شرح الأسماء الحسنى للامام الغزالي : وقال في المثنوى في الاسم الرحيم :
جزء : 4 رقم الصفحة : 87
بند كان حق رحيم وبردبار
خوى حق دارند در اصلاح كار
مهربان بى رشوتان يارى كران
در مقام سخت ودر روز كران
نسأل الله تعالى أن يفيض علينا سجال رحمته ويديم دوران كاسات فضله ومغفرته.
قل لكفار مكة يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم وهو القرآن العظيم واطلعتم على مافي تضاعيفه من البينات والهدى لم يبق لكم عذر ولا عليه تعالى حجة.
فمن اهتدى بالإيمان به والعمل بما في مطاويه فإنما يهتدي لنفسه أي : منفعة اهتدائه لها خاصة ومن ضل بالكفر به والإعراض عنه فإنما يضل عليها أي : فوبال الضلال مقصور عليها.
والمراد تنزيه ساحة الرسول عن شائبة غرض عائد إليه عليه السلام من جلب نفع أو دفع ضر كما يلوح به إسناد المجيء إلى الحق من غير إشعار يكون ذلك بواسطة.
وما أنا عليكم بوكيل بحفيظ موكول إلى أمركم وأنما أنا بشير ونذير.
وفي التأويلات النجمية : قد جاءكم الحق من ربكم القرآن وهو الحبل المتين فمن اهتدى إلى الاعتصام به فإنما يهتدي لنفسه بأن يخلصها من أسفل السافلين ويعيدها إلى أعلى عليين مقاما ومن ضل عن الاعتصام به فإنما يضل عليها لأنها تبقى في أسفل الدنيا بعيدة عن الله معذبة بعذاب البعد وألم الفراق وما أنا عليكم بوكيل فأوصلكم إلى تلك المقامات والدرجات ، وأخلصكم من هذه السفليات والدركات بغير اختياركم وأنما أنا مأمور بتبليغ الوحي والرسالة والتذكير والموعظة.
جزء : 4 رقم الصفحة : 87
﴿واتبع﴾ اعتقادا وعملا وتبليغا.
ما يوحى إليك على نهج التجدد والاستمرار من الحق المذكور المتأكد يوما فيوما واصبر على دعوتهم وتحمل أذيتهم حتى يحكم الله يقضي لك بالنصر وإظهار دينك وهو خير الحاكمين إذ لا يمكن الخطأ في حكمه لإطلاعه على السرائر إطلاعه على الظواهر :
از سيدي تاسياهى كيرو تالوح وقلم
يك رقم از خط حكمش وهو خيرا الحاكمين
قال في التأويلات النجمية : وهو خير الحاكمين فيما حكم بقبول الدعوة والقرآن والأحكام والعمل بها لمن سبقت له العناية الأزلية ، وبرد الدعوة والقرآن والأحكام والعمل بها لمن أدركته الشقاوة الأزلية.
وقال في المفاتيح : ومرجع الاسم الحاكم إما إلى القول الفاصل بين الحق والباطل والبر والفاجر والمبين لكل نفس جزاء ما عملت من خير أو شر وإما إلى التمييز من السعيد والشقي بالإثابة والعقاب.
وحظ العبد منه أن يستسلم لحكمه وينقاد لأمره فأن من لم يرض بقضائه اختيارا
88
أمضي فيه إجبارا ومن رضى به طوعا عاش راضيا مرضيا ويكفي لنا موعظة حال رسول الله فأنه رضى بقضاء الله وصبر على بلائه فعاش حميدا وصار عاقبة أمره إلى النصرة.
وفي المثنوى :
صد هزاران كيميا حق آفريد
كيميايى همو صبر آدم نديد
ونكه قبض آمد تو دروى بسط بين
تازه باش وين ميفكن برجبين
شم كودك همو خر در آخرست
شم عاقل درحساب آخرست
اودر آخر رب مى بيند علف
وين زقصاب آخرش بيند تلف
آن علف تلخست كين قصاب داد
بهر لحم ما ترا زويى نهاد
صبرمي بيند زرده اجتهاد
روى ون كلنار وزلفين مراد
ومما وقع له من الأذية ما حدث به عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : كنا مع رسول الله في المسجد وهو يصلي وقد نحر جزور وبقي فرثه ، أي : روثه في كرشه فقال أبو جهل : ايكم يقوم إلى هذا القذر ويلقيه على محمد ، فقام عقبة بن أبي معيط ، وجاء بذلك الفرث فالقاه على النبي عليه السلام وهو ساجد فاستضحكوا وجعل بعضهم يميل على بعض من شدة الضحك فهممنا ، أي : خففنا أن نلقيه عنه حتى جاءت فاطمة رضي الله عنها فألقته عنه وأقبلت عليهم تشتمهم وكان بجواره جماعة منهم أبو لهب والحكم بن العاص بن أمية ، وعقبة بن أبي معيط وكانوا يطرحون عليه الأذى فإذا طرحوه عليه أخذه عليه السلام وخرج به ووقف على بابه ، ويقول يا ابن عبد مناف أي : جوار هذا؟ ثم يلقيه في الطريق وقال عليه السلام : مرة فيمن التزم أذية له من رؤساء قريش مخاطبا لأصحابه : أبشروا فأن الله تعالى مظهر دينه ومتمم كلمته وناصر نبيه أن هؤلاء الذين ترون مما يذبح على أيديكم عاجلا فوقع كما قال : حيث ذبحهم الأصحاب بأيديهم يوم بدر وهذه الأذية لا يظن ظان أنها منقصة له عليه السلام ، بل هي رفعة له ودليل على فخامة قدره وعلو مرتبته وعظيم رفعته ومكانته عند ربه لكثرة صبره عليه السلام وحلمه واحتماله مع علمه باستجابة دعائه ونفوذ كلمته عند الله تعالى وقد قال : أشد الناس بلاء الأنبياء عليهم السلام فالأنبياء كالذهب ، والشدائد التي تصيبهم كالنار التي يعرض عليها الذهب فأن ذلك لا يزيد الذهب إلا حسنا فكذا الشدائد لا تزيد الأنبياء إلا رفعة وفي المثنوى :
جزء : 4 رقم الصفحة : 88
طبع را كشتند در حمل بدي
تا حمولي كربود هست ايزدى
اي سليمان درميان زاغ وباز
حلم حق شو باهمه مرغان بساز
أي : دوصد بلقيس حلمت را زبون
كه اهد قومي أنهم لا يعلمون
نسأل الله تعالى أن يثبتنا على الحق المبين ، ويحكم لنا بالنصر على نفوسنا ، وهو خير الحاكمين تمت سورة يونس بالإمداد الرحماني ، والتأييد الرباني في اليوم الحادي عشر يوم الإثنين في ذي القعدة الشريفة من سنة إثنتين ومائة وألف ويتلوها سورة هود.
89
جزء : 4 رقم الصفحة : 88