ويجعل الرجس أي : الكفر بقرينة ما قبله عبر عنه بالرجس الذي هو عبارة عن القبيح المستقذر المستكره لكونه علما في القبح والاستكراه ، أي : يجعل الكفر ويبقيه على الذين لا يعقلون لا يستعملون عقولهم بالنظر في الحجج والآيات ، فلا يحصل لهم الهداية
84
التي عبر عنها بالإذن فيبقون مغمورين بقبائح الكفر والضلال.
وفي التأويلات النجمية : ويجعل الرجس أي : عذاب الحجاب على الذين لا يعقلون سنة الله في الهداية والخذلان فأن سنته أن تهتدي العقول المؤيدة بنور الإيمان إلى توحيد الله ومعرفته ، ولا تهتدي العقول المجردة عن نور الإيمان إلى ذلك ، وهذا رد على الفلاسفة فأنهم يحسبون أن للعقول المجردة عن الإيمان سبيلا إلى التوحيد والمعرفة انتهى.
قال الحافظ :
اي كه از دفتر عقل آيت عشق آموزى
ترسيم ابن نكته تحقيق ندانى دانست
جزء : 4 رقم الصفحة : 81
﴿قل انظروا﴾ تفكروا يا أهل مكة ماذا مرفوع المحل على الابتداء في السموات والأرض خبره ، أي : أي شيء بديع فيهما من عجائب صنعه ، الدالة على وحدته وكمال قدرته ، فماذا ، جعل بالتركيب اسما واحدا مغلبا فيه الاستفهام على اسم الإشارة ، ويجوز أن يكون اسمين بمعنى ما الذي على أن تكون ما استفهامية مرفوعة على الابتداء ، والظرف صلة الذي ، والجملة خبر للمبتدأ وعلى التقديرين فالمبتدأ والخبر في محل النصب بإسقاط الخافض وفعل النظر معلق بالاستفهام وما نافية تغني الآيات والنذر جمع نذير على أنه فعيل بمعنى منذر ، أو على أنه مصدر ، أي : لا تنفع الآيات الأنفسية والآفاقية الدالة على الوحدانية والرسل المنذرون أو الإنذارات شيئا.
عن قوم لا يؤمنون في علم الله تعالى وحكمه.
فهل ينتظرون أي : فما ينتظر كفار مكة وأضرابهم إلا مثل أيام الذي خلوا أي : إلا يوما مثل أيام الذين مضوا من قبلهم من مشركي الأمم الماضية كقوم نوح وعاد وثمود ، وأصحاب الأيكة ، وأهل المؤتفكة ، أي : مثل وقائعهم ونزول بأس الله بهم ، إذ لا يستحقون غيره وهم ما كانوا منتظرين لذلك ، ولكن لما كان يلحقهم لحوق المنتظر ، شبهوا بالمنتظر ، والعرب تسمى العذاب والنعم أياما وكل ما مضى عليك من خير وشر فهو أيام قل تهديدا لهم فانتظروا ما هو عاقبتكم من العذاب إني معكم من المنتظرين لذلك أو فانتظروا إهلاكي إني معكم من المنتظرين لهلاككم ، فأن العاقبة للمتقين على ما هي السنة القديمة الإلهية.
جزء : 4 رقم الصفحة : 84
﴿ثم ننجى رسلنا والذين ءامنوا﴾ عطف على محذوف دل عليه قوله : مثل أيام الذين خلوا كأنه قيل : نهلك الأمم ثم ننجي رسلنا ومن آمن بهم عند نزول العذاب على حكاية الحال الماضية ، فأن المراد أهلكنا ونجينا ، كذلك أي : مثل ذلك الانجاء حقا علينا اعتراض بين الفعل ومعموله ونصبه بفعله المقدر ، أي : حق ذلك حقا.
ننجي المؤمنين من كل شدة وعذاب ولم يذكر إنجاء الرسل إيذانا بعدم الحاجة إليه.
وفيه تنبيه على أن مدار النجاة هو الإيمان ، وهذه سنة الله تعالى في جميع الأمم فأن الله تعالى كما أنجى الرسل المتقدمين ومن آمن بهم وأنجز ما وعد لهم ، كذلك أنجى رسول الله ومن معه من أصحابه وحقق لهم ما وعد لهم ، وسينجى إلى قيام الساعة جميع المؤمنين من أيدي الكفرة وشرورهم ما دام الشرع باقيا والعمل به قائما.
قال السعدي قدس سره :
محالست ون دوست دارد ترا
دردست دشمن كذارد ترا
وأقل النجاة الموت ، فأن الموت تحفة المؤمن ، ألا ترى إلى قوله عليه السلام حين مر بجنازة : مستريح
85
أو مستراح منه ، فالأول : هو الرجل الصالح يتخلص من تعب الدنيا ويستريح في البرزخ بالثواب الروحاني وهو نصف النعيم ، والثاني : هو الرجل الفاسق يستريح بموته الخلق ويتخلصون بموته من أذاه ويصل هو إلى العذاب الروحاني البرزخي وهو نصف الجحيم نعوذ بالله تعالى منه.
والحديث المناسب لآية الانتظار والإنجاء قوله : أفضل العبادة انتظار الفرج وذلك لأن فيه استراحة القلب وثواب الصبر إذ المؤمن المبتلي يعتقد أن المبتلى هو الله تعالى وأنه لا كاشف له إلا هو ، وذلك يخفف ألم البلاء عنه ويهون عليه الصبر ، فيرفع الجزع ويجد الاستراحة في قلبه بخلاف حال الجاهل الذي لا يخطر بباله أن ما يجري عليه أنما هو بقضاء الله وأن الله لطيف بعباده ، إذ ربما يعتقد أنه لا يتخلص من بلائه أبدا ، فينسب العجز إلى الله تعالى من حيث لا يحتسب ، ويتقلب في ألم البلاء صباحا ومساء فنعوذ بالله منه.
قال الحافظ :
جزء : 4 رقم الصفحة : 85
اي دل صبور باش مخور غم كه عاقبت
اين شم صبح كردد واين شب سحر شود