تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن كنت في شك أي : في شك ما يسير على الفرض والتقدير فإن مضمون الشرطية إنما هو تعليق شيء بشيء من غير تعرض لإمكان شيء منهما كيف لا ، وقد يكون كلاهما ممتنعا ، كقوله تعالى : قل أن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين}(الزخرف : 81) ﴿ممآ أنزلنآ إليك﴾ من القصص التي من جملتها قصة فرعون وقومه وأخبار بني إسرائيل.

فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك فإن ذلك محقق عندهم ثابت في كتبهم على نحو ما ألقينا إليك ، والمراد إظهار نبوته عليه السلام بشهادة الأحبار حسبما هو المسطور في كتبهم وأن لم يكن إليه حاجة أصلا ، أو وصف أهل الكتاب بالرسوخ في العلم بصحة نبوته ، أو تهييجه عليه السلام وزيادة تثبيته على ما هو عليه من اليقين لا تجويز صدور الشك منه عليه السلام ولذلك قال : عليه السلام : لا أشك ولا أسأل (ودر زاد المسير آورده كه ان بمعنى ماى نافيه است يعني تودر شك نيستى إما براى زيادتى بصيرت سؤال كن از اهل كتاب).

جزء : 4 رقم الصفحة : 79

وقيل : الخطاب للنبي ، والمراد : أمته فأنه محفوظ ومعصوم من الشكوك والشبهات فيما أنزل ، وعادة السلطان الكبير إذا كان له أمير وكان تحت راية ذلك الأمير جمع فأراد السلطان أن يأمر الرعية بأمر مخصوص بهم فأنه لا يوجه خطابه لهم ، بل يوجه ذلك الخطاب لذلك الأمير الذي جعله أميرا عليهم ليكون أقوى تأثيرا في قلوبهم ، أو الخطاب لكل من يسمع ، أي : أن كنت أيها السامع في شك مما أنزلنا إليك على لسانه نبينا ، وفيه تنبيه على أن من خالجه شبهة في الدين ينبغي أن يسارع إلى حلها بالرجوع إلى أهل العلم.

ون نين وسواس ديدى زود زود

باخدا كردوردرا اند سجود

سجده كه را تركن ازاشاك روان

كاى خدا يا وارهانم زين كمان

كوندانستى مرادحق ازين

فاسأل أهل العلم حتى تطمئن

لقد جاءك الحق الذي لا ريب في حقيقته.

من ربك وظهر ذلك بالآيات القاطعة فلا تكونن من الممترين بالتزلزل عما أنت عليه من الجزم واليقين ودم على ذلك كما كنت من قبل ، والامتراء : التوقف في الشيء والشك فيه ، وأمره أسهل من أمر المكذب فبدأ به أولا ونهى عنه وأبتع به ذكر المكذب ونهى أن يكون منهم كما قال :

جزء : 4 رقم الصفحة : 79

﴿ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله﴾ من باب التهييج والإلهاب والمراد به إعلام أن التكذيب من القبح والمحذورية بحيث ينبغي أن ينهى عنه من لا يتصور إمكان صدوره عنه فكيف بمن يمكن اتصافه به ، وفيه قطع لأطماع الكفرة.

فتكون بذلك من الخاسرين أنفسا وأعمالا.

واعلم أن تصديق الآيات سواء كانت آيات الوحي كالقرآن ، وآيات الإلهام كالمعارف الإلهية من أربح المتاجر الدينية ، وتكذيبها من أخسر المكاسب الإنسانية ، ولذا قال : بعض العارفين من لم يكن له نصيب من هذا العلم ، أي : العلم الوهبي الكشفي أخاف عليه سوء الخاتمة ، وأدنى النصيب منه التصديق به وتسليمه لأهله وأقل عقوبة من ينكره أن لا يرزق منه شيئا وهو علم الصديقين والمقربين كذا في إحياء العلوم.

قال حضرة الشيخ الأكبر قدس سره : الأطهر علم النبوة

80

والولاية وراء طور العقل ليس للعقل دخول فيه بفكره ، ولكن له القبول خاصة عند سليم العقل الذي لم يغلب عليه شبهة خيالية فما لنا إلا ما نص عليه الشرع فإنك تعلم أن دليل الأشعري شبهة عند المعتزلي وبالعكس والناظر بفكره لا يبقى على طور واحد فيخرج من أمر إلى نقيضه كما في الفتوحات.

وفي المثنوى :

تنكتر آمد خيالات ازعدم

زان سبب باشد خيال اسباب غم

فلا بد من التصديق وكثرة الاجتهاد في طريق التوحيد ليتخلص المريد من الشك والشبهة والتقليد ، ويصل بإقراره إلى ما لم يصل إليه العنيد.

إن الذين حقت عليهم ثبتت ووجبت كلمة ربك وهي قوله : هؤلاء في النار ولا أبالي أي : وجبت عليهم النار بسبق هذه الكلمة كما في التأويلات النجمية.

أو حكمه وقضاؤه بأنهم يموتون على الكفر ويخلدون في النار كقوله تعالى : ولكن حق القول مني لأملان جهنم}(السجدة : 13) إلخ كما في "الإرشاد".

وقال الكاشفي : (يعني قولي كه در لوح محفوظ نوشته كه ايشان بر كفر ميرند وملائكه برا بران خبر داده) فهذه ثلاثة أقوال.

﴿لا يؤمنون﴾ أي : لا يؤمنون إيمانا نافعا واقعا في أوانه ، فيندرج فيهم المؤمنون عند معاينة العذاب مثل فرعون باقيا عند الموت فيدخل فيهم المرتدون.

جزء : 4 رقم الصفحة : 80

ولو جاءتهم كل آية سألوها واقترحوها وأنث فعل كل لاضافته إلى مؤنث وذلك أن سبب إيمانهم ، وهو تعلق إرادة الله به مفقود لكن فقدانه ليس لمنع منه سبحانه استحقاقه له بل لسوء اختيارهم المتفرع على عدم استعدادهم لذلك.

حتى يروا العذاب الأليم إلى أن يروه وحينئذ لا ينفعهم كما لم ينفع فرعون.

جزء : 4 رقم الصفحة : 80

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٤ · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٤ · ص ٤٥