وعن قتادة أحياهم الله حتى سمعوا كلام رسول الله توبيخا لهم وتصغيرا ونقمة وحسرة والمراد بإحيائهم شدة تعلق أرواحهم بأجسادهم حتى صاروا كالأحياء في الدنيا للغرض المذكور لأن الروح بعد مفارقة جسدها يصير لها تعلق به أو بما يبقى منه ولو عجب الذنب فإنه لا يفنى ، وأن اضمحل الجسم بأكل التراب أو بأكل السباع أو الطير أو النار وبواسطة ذلك التعلق يعرف الميت من يزوره ويأنس به ويرد سلامه إذا سلم عليه كما ثبت في الأحاديث ، والغالب أن هذا التعلق لا يصير به الميت حيا في الدنيا ، بل يصير كالمتوسط بين الحي والميت الذي لا تعلق لروحه بجسده ، وقد يقوى ذلك حتى يصير كالحي في الدنيا ولعله مع ذلك لا يكون فيه القدرة على الأفعال الاختيارية.
فلا يخالف ما حكي عن السعد اتفقوا على أنه تعالى لم يخلق في الميت القدرة والأفعال الاختيارية ، هذا كلامه والكلام في غير الأنبياء وشهداء المعركة وأما هما فتعلق أرواحهم بأجسادهم تصير به أجسادهم حية كحياتها في الدنيا وتصير لهم القدرة والأفعال الاختيارية كذا في إنسان العيون.
وأن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها.
وفي المثنوى :
نى ترا ازروى ظاهر طاعتي
نى ترا درسر وباطن نيتي
نى ترا شبها مناجات وقيام
نى ترا روزان رهيز وصيام
نى ترا حفظ زبان زآزار كس
نى نظر كردن بعبرت يش وس
يش ه بودياد مرك ونزع خويش
س ه باشد مردن ياران يش
قالوا : فرعون مع شدة شكيمته وفرط عناده آمن.
ولو حال اليأس ، وأما فرعون هذه الأمة فقد قتله الله يوم بدر شر قتلة ولم يصدر منه ما يؤذن بإيمانه ، بل اشتد غيظه وغضبه في حق رسول الله وفي
78
حق المؤمنين إلى أن خرج روحه لعنه الله ، فصار أشد من فرعون فليعتبر العاقل بهذا وليقس عليه كل من سلك مسلكه في الكفر والظلم والعناد فنعوذ بالله رب العباد من كل شر وفساد.
ثم أن الله تعالى أهلك العدو وأنجى بني إسرائيل ، وذلك لصدق إيمانهم وبركة يقينهم كما يحكى أنه صاح رجل في مجلس الشبلي قدس سره فطرحه في دجلة ، فقال : أن صدق ينجه صدق كما نجا موسى ، وأن كذب غرق كما غرق فرعون كما في ربيع الأبرار.
فدل على أن النجاة في الإيمان والعدل والصدق ، والهلاك في الكفر والظلم والكذب ولما كذب ، فرعون في دعوى الربوبية واستمر على اضلال الناس دعا عليه موسى كما سبق فاستجاب الله دعاءه ولا كلام في تأثير الدعاء مطلقا يحكى أن معاوية استجاب الله دعاء في حق ابنه يزيد وذلك أنه ليم على عهده إلى يزيد فخطب وقال : اللهم أن كنت إنما عهدت ليزيد لما رأيت من فعله فبلغه ما املته وأعنه وأن كنت إنما حملني حب الوالد لولده وأنه ليس لما صنعت به أهلا فاقبضه قبل أن يبلغ ذلك فكان كذلك ، لأن ولايته كانت سنة ستين ومات سنة أربع وستين كما في الصواعق لابن حجر.
والحاصل : آن الآفاق والأنفس مملوءة بالآيات والعبر فمن له عين مبصرة وأذن واعية يرى الآثار المختلفة ويسمع الأخبار المتواترة فيعتبر اعتبارا إلى أن يأتي اليقين ، ويسلم من آثار القهر المتين ، ولا يكون عبرة للغير بما اقترفه كل حين.
جزء : 4 رقم الصفحة : 76
﴿ولقد بوأنا بنى إسراءيل﴾ (الإسراء : 80) ﴿ورزقناهم من الطيبات﴾ أي : اللذآئذ من الثمار وغيرها من المن والسلوى كما في التبيان فما اختلفوا في أمور دينهم حتى جاءهم العلم أي : إلا من بعد ما قرأوا التوراة وعلموا أحكامهم وما هو الحق في أمر الدين ولزمهم الثبات عليه واتحاد الكلمة فيه ، يعني : أنهم تشعبوا في كثير من أمور دينهم بالتأويل طلبا للرياسة وبغيا من بعضهم على بعضهم حتى أداهم ذلك إلى القتال كما وقع مثله بين علماء هذه الأمة حيث افترقوا على الفرق المختلفة ، وأولوا القرآن على مقتضى أهوائهم كالمعتزلة وغيرها من أهل الأهواء وفيهم من يقول بالظاهر.
وفي المثنوى :
كرده تأويل حرف بكررا
خويش را تلأيل كن نى ذكررا
بر هوا تأويل قرآن ميكنى
ست وكشد ازتو معنى سني
أو المراد ببني إسرائيل معاصروا النبي عليه السلام كقريظة والنضير وبني قينقاع ، أنزلهم الله ما بين المدينة ، والشام من أرض يثرب ورزقهم من النخل وما فيها من الرطب والتمر الذي لا يوجد مثله في البلاد ، فما اختلفوا في أمر محمد عليه السلام إلا من بعد ما علموا صدق نبوته وتظاهر معجزاته فآمن به بعضهم كعبد الله بن سلام وأصحابه وكفر آخرون.
وقال : ابن عباس رضي الله عنهما المراد بالعلم القرآن العظيم ، وسمي القرآن علما لكونه سبب العلم وتسمية السبب باسم المسبب مجاز مشهور أن ربك يقضي بينهم (حم كند ميان ايشان) يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون فيميز المحق من المبطل بالإثابة والتعذيب وأما في الدنيا فيجرون على
79
الستر والإمهال فإنها ليست بدار جزاء الأعمال.
وفيه تهديد بيوم القيمة الذي هو يوم الامتحان.
ون محك ديدى سيه كشتى وقلب
نقش شرى رفت ويدا كشت كلب