تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقول الفقير هذا لا يدل على إيمان فرعون وذلك ، لأن الإيمان وأن كان عبارة عن التصديق والإقرار وصاحبه ينبغي أن لا يكون كافرا بشيء من أفعال الكفر ، وألفاظه ما لم يتحقق منه التكذيب والإنكار إلا أن من المعاصي ما جعله الشارع إمارة التكذيب ، ومنه دعوة فرعون إلى عبادة نفسه ورضاه عن سجود قومه له ونحو ذلك فمع ذلك لا يكون مؤمنا البتة قالوا عرض له جبريل يوما فقال : أيها الملك أإن عبدا ملكته على عبيدي وأعطيته مفاتيح خزائني وعاداني وأحب من عاديته وعادى من أحببته فقال له فرعون : لو كان لي ذلك العبد لغرقته في بحر القلزم فقال جبريل : أيها الملك اكتب لي بذلك كتابا قال : فدعا بداوة وقلم وقرطاس فكتب فرعون فيه يقول أبو العباس الوليد بن مصعب : جزاء العبد الخارج على سيده الكافر نعماءه أن يغرق في البحر فلما الجمه الغرق ناوله جبريل خطه فعرفه فقال جبريل هذا ما حكمت به على نفسك : قالوا : نكب عن الإيمان أي : عدل واعرض عنه أوان بقاء التكليف والاختيار ، وبالغ فيه حين لا يقبل ، حرصا على القبول حيث كرر المعنى الواحد ثلاث مرات بثلاث عبارات حيث قال : أولا آمنت وقال ثانيا : لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وقال : ثالثا وأنا من المسلمين وكانت المرة الواحدة كافية حين بقاء التكليف والاختيار ، وإيمان اليأس موقوف من جهة الرد والقبول وأن كان من مقام الاحتضار فمردود وإلا فلا ، والاحتضار لا يكون إلا في النفسين من الداخل والخارج كما فيأسئلة الحكم وهو مقبول عند الامام مالك حكما بالظاهر كالمؤمن عند سل السيف والمؤمن عند إقامة الحد عليه يقبل إيمانه وعلى هذا بنى كلامه حضرة الشيخ الأكبر المالكي في الفصوص ذهب إلى إيمان فرعون ثم فوض.

جزء : 4 رقم الصفحة : 76

فاليوم ننجيك أي : نبعدك ونخرجك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ونجعلك طافيا ، أو نلقيك على نجوة من الأرض ليراك بنو إسرائيل ويتحققوا بهلاكك ، والنجوة : المكان المرتفع الذي تظن أنه نجاؤك لا يعلوه السيل.

ببدنك الباء للمصاحبة كما في قولك : خرج زيد بعشيرته ، وهذه الباء يصلح في موضعها مع وهي مع ، مدخولها في موضع الحال من ضمير المخاطب ، أي : ننجيك ملابسا ببدنك فقط لا مع روحك كما هو مطلوبك فهو قطع لطمعه بالكلية ، أو كاملا سويا من غير نقص لئلا يبقى شبهة في أنه بدنك ، أو عريانا من غير لباس أو بدرعك وكانت له درع من الذهب يعرف بها ، والعرب تطلق البدن على الدرع قال : الليث البدن الدرع الذي يكون قصير الكمين ، لتكون لمن خلفك آية لمن وراءك علامة وهم بنو إسرائيل إذ كان في نفوسهم من عظمته ما خيل إليهم أنه لا يهلك حتى كذبوا موسى عليه السلام حين أخبرهم بغرقه إلى أن عاينوه مطروحا على ممرهم من الساحل قصيرا أحمر كأنه ثور ، إذ يروى أن قامته كانت سبعة أشبار ، ولحيته ثمانية أشبار أو لمن

77

يأتي بعدك من الأمم إذا سمعوا مآل أمرك ممن شاهدك آية عبرة ونكالا على الطغيان ، أو حجة تدلهم على أن الإنسان وأن بلغ الغاية القصوى من عظم الشان وعلو الكبرياء وقوة السلطان فهو مملوك مقهور بعيد عن مظان الربوبية.

(بنده كه خودرا ازغرقه شدن دركر داب فنانرها ندرا صداى انا ربكم ألاعلى بسمع هانيان ساند

عاجز اي كواسير خواب وخورست

لاف قدرت زند ه بيخبرست

آنكه در نفس خود زبون باشد

صاحب اقتدار ون باشد

ثم قوله تعالى : آلآن إلى قوله : آية من كلام جبريل كما قال : الكاشفي (بعد ازانكه فرعون اين سخن كفت حق تعالى بجبريل درجواب اوفرموده) آلآن الخ.

وقال : في الكواشي وخاطبه كخطاب النبي أهل القليب انتهى وذلك أن الله تعالى لما هزم المشركين يوم بدر أمر أن يطرح قتلاهم في القليب ثم جاء بعد ثلاثة أيام حتى وقف على شفير القليب.

وجعل يقول : (يا فلان ابن فلان ويا فلان ابن فلان هل وجدتم ما وعد الله ورسوله حقا فإني وجدت ما وعدني الله حقا بئس عشيرة النبي كنتم ، كذبتموني وصدقني الناس ، وأخرجتموني وآواني الناس ، وقاتلتموني ونصرني الناس) فقال : عمر رضي الله عنه يا رسول الله كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها؟ فقال عليه السلام : ما أنتم بأسمع لما اقول منهم وفي رواية : لقد سمعوا ما قلت غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا شيئا.

جزء : 4 رقم الصفحة : 76

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٤ · الصفحة ٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٤ · ص ٤٣