وفي الآية بيان جواز الدعاء السوء عند مساس الحاجة إليه وقد صدر من النبي أيضا حيث دعا على مضر حين بالغوا في الأذية له عليه السلام فقال : اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف يعني : خذهم أخذا شديدا وعنى بسني يوسف السبع الشداد فاستجاب الله دعاءه عليه السلام فأصابتهم سنة أكلوا فيها الجيف والجلود والعظام والعلهز وهو الوبر والدم أي : يخلط الدم بأوبار الإبل ويشوى على النار وصار الواحد منهم يرى ما بينه وبين السماء كالدخان من الجوع.
ثم أن العذاب الأليم للنفس فطامها عن شهواتها
75
ومألوفاتها فهي لا تؤمن بالآخرة على الحقيقة ولا تسلك سبيل الطلب حتى تذوق ألم ذلك العذاب ، فإن ذلك موت لها معنى ، ولا ينتبه الناس إلا بعد الموت أيقظنا الله وإياكم من رقدة الغفلات.
وجاوزنا ببني إسرائيل البحر هو من جاوز المكان إذا تخطاه وخلفه ، والباء للتعدية ، أي : جعلناهم مجاوزين البحر بأن جعلناه يبسا وحفظناهم حتى بلغوا الشط.
قال الكاشفي : (ون عذاب آن قوم رسيد وحى آمد بموسى عليه السلام باقوم خود از مصر برون روكه قبطيان را هنكام عذاب رسيد موسى عليه السلام باجماعت بني إسرائيل متوجه شام شدند وبكناره درياى قلزم رسيده دريا شكافته شد وبني إسرائيل بسلامت آن دريارا بكذشتند نانه حق سبحان وتعالى ميفرمايد وجاوزنا ببني إسرائيل البحر وبكذرانيديم فرزندان يعقوب را ازدرياي قلزم بسلامت).
فاتبعهم يقال : تبعته حتى اتبعته إذا كان سبقك فلحقته أي : أدركهم ولحقهم.
فرعون وجنوده حتى تراءت الفئتان وكاد يجتمع الجمعان.
بغيا وعدوا أي : حال كونهم باغين في القول ومعتدين في الفعل أو للبغي والعدوان على أنهما مفعولان من أجلهما ، كما قال : الكاشفي (بغيا براي ستم كردن بني إسرائيل وعدوا ازجهت وازحد بيرون بردن ازجفاى ايشان).
وذلك أن موسى عليه اللام خرج ببني إسرائيل على حين غفلة من فرعون فلما سمع به تبعهم حتى لحقهم ووصل إلى الساحل ، وهم قد خرجوا من البحر ومسلكهم باق على حاله يبسا فسلكه بجنوده أجمعين.
قال الكاشفي : (س ون بكنار دريا رسيدند واسب فرعون بسبب بوي باديان كه جبريل سوار بودبدريا در آمد ولشكر متابعت نموده همه خودرا دردريا افكندند وفرعون بنمى خواست كه بدريا در آمد أما مركب اورامى برد) فلما دخل آخرهم وهم أولهم بالخروج غشيهم من اليم ما غشيهم حتى إذا أدركه الغرق أي : لحقه والجمه وأحاط به قال فرعون آمنت إنه أي : بأنه والضمير للشأن.
لا إله (نيست معبودي مستحق عبادت) إلا الذي (مكر آن خدايى كه بدعوت موسى عليه السلام) آمنت به بنو إسرائيل لم يقل كما قاله السحرة : آمنا برب العالمين رب موسى وهارون}(الأعراف : 121 122).
بل عبر عنه بالموصول وجعل صلته إيمان بني إسرائيل به للإشعار برجوعه عن الاستعصاء وباتباعه لمن كان يستتبعهم طمعا في القبول والانتظام معهم في سلك النجاة كذا في "الإرشاد".
جزء : 4 رقم الصفحة : 75
يقول الفقير بل في قول ذلك المخذول رائحة التقليد ولذا لم يقبل ولو نمسك بحبل التحقيق لقال : آمنت بالله الذي لا إله إلا هو ﴿وأنا من المسلمين﴾ أي : الذين أسلموا نفوسهمأي : جعلوها سالمة خالصة له تعالى.
جزء : 4 رقم الصفحة : 75
﴿ءآلاان﴾ على قال ، أي : فقيل آلآن تؤمن حين يئست من الحياة وأيقنت بالممات؟ وقد عصيت قبل حال من فاعل الفعل المقدر أي : والحال قد عصيت قبل ذلك مدة عمرك وكنت من المفسدين أي : الغالين في الضلال والاضلال عن الإيمان ، فالأول عبارة عن عصيانه الخاص به ، والثاني عن فساده الراجع إلى نفسه والساري إلى غيره من الظلم والتعدي وصد بني إسرائيل عن الإيمان.
جاء في الأخبار عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال : غار النيل على عهد فرعون فأتاه أهل مملكته
76
فقالوا : أيها الملك أجر لنا النيل ، فقال : إني لست براض عنكم حتى قالوا : ذلك ثلاث مرات فذهبوا فأتوه ، فقالوا : أيها الملك ماتت البهائم وهلكت الصبيان والأبكار ، فإن لم تجر لنا النيل اتخذنا إلها غيرك ، فقال : لهم أخرجوا إلى الصعيد فخرجوا فتنحى عنهم بحيث لا يرونه ولا يسمعون كلامه والصق خده بالأرض ، وأشار بالسبابة فقال : اللهم إني خرجت إليك خروج العبد الذليل إلى سيده ، وإني أعلم أنه لا يقدر على إجرائه غيرك فأجره ، فقام فجرى النيل جريا فأتاهم ، فقال لهم : إني أجريت لكم النيل فقال : خروا له سجدا.