تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال صاحب إنسان العيون : هو عبد الله الحجاج ولا مانع من أن يكون الحجاج من قريش.

وفي حياة الحيوان إن العرب إذا أرادوا مدح الإنسان قالوا : كبش وإذا أرادوا ذمه قالوا : تيس ومن ثمة قال : في المحلل (التيس المستعار).

فما آمن لموسى في مبدأ أمره قبل إلقاء العصا وأما إيمان السحرة فقد وقع بعده فلا ينافي الحصر المذكور هنا إلا ذرية من قومه أي : إلا أولاد من أولاد قومه بني إسرائيل حيث دعا الآباء فلم يجيبوه خوفا من فرعون وأجابته طائفة من شبانهم وذلك إن لفظ الذرية يعبر به عن القوم على وجه التحقير والتصغير ولا سبيل لحمله على التحقير والإهانة ههنا فوجب حمله على التصغير بمعنى قلة العدد أو حداثة السن على خوف أي : كائنين على خوف عظيم من فرعون وملائهم أي : ملأ الذرية ولم يؤنث ، لأن الذرية قوم فذكر على المعنى.

تلخيصه آمنوا وهم يخافون من فرعون من أشراف بني إسرائيل لأنهم كانوا يمنعون أعقابهم خوفا من فرعون عليهم وعلى أنفسهم ، ويجوز أن يكون الضمير لفرعون على أن المراد بفرعون آله كثمود اسم قبيلة أن يفتنهم أن يعذبهم فرعون أو يرجع آباؤهم إلى فرعون ليردهم إلى الكفر ، وهو بدل اشتمال تقديره على خوف من فرعون فتنته كقولك أعجبني زيد علمه وإسناد الفعل إلى فرعون خاصة لأنه الآمر بالتعذيب.

قال في التأويلات النجمية : فما آمن لموسى القلب إلا ذرية من قومه وهي صفاته ويجوز أن تكون الهاء في قومه راجعة إلى فرعون النفس ، أي : ما آمن لموسى القلب إلا بعض صفات فرعون النفس فإنه يمكن تبديل أخلاقها الذميمة بالأخلاق الحميدة القلبية على خوف من فرعون ، وملائهم يعني على خوف من فرعون النفس والهوى والدنيا وشهواتها بأن يبدلوها بأخلاقها الطبيعية التي جبلت النفس عليها ، وبهذا يشير إلى أن النفس ، وإن تبدلت صفاتها الأمارية إلى المطمئنة لا يؤمن مكرها وتبدلها من المطمئنة إلى الأمارية كما كان حال بلعام وبرصيصا أن يفتنهم بالدنيا وشهواتها ويرجع النفس قهقرى إلى أماريتها انتهى.

قال حضرة الشيخ الأكبر قدس سره : الأطهر فيمواقع النجوم : وعلامة المدعى في الوصول رجوعه إلى رعونة النفس وإعراضها ولهذا قال أبو سليمان الداراني : من رؤساء المشايخ : لو وصلوا ما رجعوا ، وإنما حرموا الوصول لتضييعهم الأصول فمن لم يتخلق لم يتحقق وعلامة من صح وصوله الخروج عن الطبع ، والأدب مع الشرع ، واتباعه حيث سلك انتهى وإن فرعون لعال في الأرض لغالب في أرض مصر ومتكبر وطاغ.

وإنه لمن المسرفين في الظلم الفساد بالقتل وسفك

71

الدماء أو في الكبر والعتو حتى ادعى الربوبية واسترق أسباط الأنبياء ، وهم بنوا إسرائيل فإنهم من فروع يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام.

جزء : 4 رقم الصفحة : 70

﴿وقال موسى يا قوم إن كنتم ءامنتم بالله﴾ أي : صدقتم به وبآياته وعلمتم أن إيصال المنافع ودفع المضار بقبضة اقتداره فعليه توكلوا وثقوا به واعتمدوا عليه ولا تخافوا أحدا غيره.

قال بعضهم : وصف نوح عليه السلام نفسه بالتوكل على وجه يفيد الحصر فقال : فعلى الله توكلت وموسى عليه السلام أمر قومه بذلك فظاهر أن هذه الدرجة فوق درجة نوح انتهى.

يقول الفقير : كان الكلام في القصة الأولى مع نوح وفي الثانية مع قوم موسى ولذا اقتصر نوح في تخصيص التوكل بالله تعالى على نفسه وموسى أمر بذلك ؛ وذا لا يدل على رجحان درجته على درجة نوح في هذا الباب لتغاير الجهتين ، كما لا يخفى على أولى الألباب إن كنتم مسلمين مستسلمين لقضاء الله مخلصين له ، وليس هذا من تعليق الحكم الذي هو وجوب التوكل بشرطين مختلفين هما الايمان بالله والإسلام وإلا لزم أن لا يجب التوكل بمجرد الإيمان بالله ، بل هما حكمان علق كل واحد منهما بشرط على حدة ، علق وجوب التوكل على الإيمان بالله فإنه المقتضى له وعلق حصول التوكل ووجوده على الإسلام فإن الإسلام ، لا يتحقق مع التخليط ونظيره إن أحسن إليك زيد فأحسن إليه إن قدرت.

فقالوا مجيبين له من غير تلعثم في ذلك على الله توكلنا لأنهم كانوا مؤمنين مخلصين ولذلك أجيبت دعوتهم ثم دعوا ربهم قائلين ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين أي : موضع عذاب لهم بأن تسلطهم علينا فيعذبونا ويفتنونا عن ديننا.

جزء : 4 رقم الصفحة : 71

﴿ونجنا برحمتك من القوم الكافرين﴾ من كيدهم وشؤم مشاهدتهم وسوء جوارهم.

قال المتنبي :

ومن نكد الدنياعلى الحر أن يرى

عدوا له ما من صداقته بد

وفي تقديم التوكل على الدعاء تنبيه على أن الداعي ينبغي أن يتوكل أولا لتجاب دعوته وحقيقة التوكل إسقاط الخوف والرجاء عما سوى الله تعالى ، والاستغراق في بحر شهود المسبب والانقطاع عن ملاحظة الأسباب.

وقال بعضهم : التوكل تعلق القلب بمحبة القادر المطلق ونسيان غيره ، يعني : لم يثبت لنفسه ولا لغيره قوة وتأثيرا بل كان منقادا للحكم الأزلي بمثابة الميت في يد الغسال :

هركه در بحر توكل غرقه كشت

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٤ · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٤ · ص ٣٩